تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
إذا ورَدَ بعدَ الإبهامِ وبعدَ التَّحريك له ، أبداً لطفاً ونبلاً لا يكونُ إذا لم يتقدَّمْ ما يُحرِّكُ . وأنتَ إذا قلتَ : " لو شئتَ " ، علمَ السامعُ أنكَ قد علَّقْتَ هذه المشيئةَ في المعنى بشيءٍ ، فهو يَضَعُ في نفسه أن ههنا شيئاً تَقْتضي مَشيئتُه له أن يكونَ أو أن لا يكونَ . فإذا قلتَ : " لم تُفسِد سماحةَ حاتم " ، عرَفَ ذلك الشيءَ ومَجيءُ " المشيئةِ " بعد " لو " وبعْدَ حروفِ الجزاءِ هكذا موقوفةٌ غيرُ مُعدَّاةٍ إلى شيءٍ ، كثيرٍ شائعٍ ، كقوله تعالى { فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [ النحل : 9 ] ، والتقديرُ في ذلك كلِّه على ما ذكرتُ . فالأَصْلُ : لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى ولو شاءَ أنْ يَهدِيَكم أجمعينَ لهَداكم إلاَّ أَنَّ البلاغةَ في أن يُجاءَ به كذلك محذوفاً . متى يكون إظهار المفعول أحسن من حذفه : 168 - وقد يتَّفقُ في بعضِه أن يكونَ إظهارُ المفعولِ هو الأَحْسَنَ وذلك نَحْو قولِ الشاعر : ولَوْ شِئتُ أَنْ أبْكي دماً لبَكَيْتُهُ . . . عليهِ ولكنْ ساحةُ الصبرِ أوْسَعُ 1 فقياسُ هذا لو كان على حدِّ { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى } [ الأنعام : 35 ] أن يقولَ : " لو شئتُ بكيتُ دماً " ، ولكنه كأنه تركَ تلك الطريقةَ وعدَلَ إلى هذهِ ، لأنها أحسن من هذا الكلامِ خُصوصاً . وسببُ حسْنِه أنَّه كأنهُ بِدْعٌ عجيبٌ أنْ يشاءَ الإِنسانُ أن يَبْكي دَماً 2 . فلمَّا كان كذلك ، كان الأَوْلى أن يُصرِّحَ بذِكْره ليقرِّرَهُ في نفسِ السِّامع ويُؤنِسَه به .
هامش
1 للخريمي ، وهو إسحاق بن حسان السعدي ، يرثى عثمان بن عامر بن عمارة بن خريم الذبياني ، أحد قواد الرشيد ، الكامل 1 : 251 . 2 " بدع " مبتدع لا يؤلف .