تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
النِّكَاحُ حَالَةَ الِاعْتِدَالِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرْغُوبَةٌ ، وَحَالَةَ التَّوَقَانِ وَاجِبٌ ، وَحَالَةَ الْخَوْفِ مِنَ الْجَوْرِ مَكْرُوهٌ . وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ . وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ مَاضِيَيْنِ ، أَوْ بِلَفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا مَاضٍ وَالْآخَرُ مُسْتَقْبَلٌ . كَقَوْلِهِ : زَوِّجْنِي ، فَيَقُولُ : زَوَّجْتُكَ .
شرح
يَعْنِي وَطْءَ الْمَسْبِيَّةِ بِالرِّمَاحِ . إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَشْعَارِ الْكَثِيرَةِ . وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْعَقْدُ بِقَرِينَةِ قَوْله تَعَالَى : { فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } [ النساء : 25 ] ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ الْأَهْلِ ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } [ النساء : 3 ] الْآيَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ هُوَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْعَدَدِ دُونَ الْوَطْءِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشُهُودٍ » ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا يَكُونُونَ عَلَى الْوَطْءِ ، وَلِأَنَّهُمَا حَالَةَ الْعَقْدِ مُفْتَرِقَانِ . وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ ؛ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الضَّمِّ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } [ يوسف : 36 ] . وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، ثَبَتَتْ شَرْعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ } [ النور : 32 ] ، وَقَوْلُهُ : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } [ النساء : 3 ] . وَبِالسُّنَّةِ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا ؛ فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » ، وَقَالَ : « النِّكَاحُ سُنَّتِي ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي » . وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، وَالْآثَارُ فِيهِ غَزِيرَةٌ ، وَعَلَى شَرْعِيَّتِهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ . قَالَ : ( النِّكَاحُ حَالَةَ الِاعْتِدَالِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرْغُوبَةٌ ، وَحَالَةَ التَّوَقَانِ وَاجِبٌ ، وَحَالَةَ الْخَوْفِ مِنَ الْجَوْرِ مَكْرُوهٌ ) . أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النُّصُوصِ ، فَبَعْضُهَا أَمْرٌ ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّرْغِيبَ وَالتَّأْكِيدَ عَلَى فِعْلِهِ . وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الثَّانِي نَاطِقٌ بِكَوْنِهِ سُنَّةً ، ثُمَّ أَكَّدَهُ حَيْثُ عَلَّقَ بِتَرْكِهِ أَمْرًا مَحْذُورًا ، وَأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهِ مُدَّةَ عُمُرِهِ وَأَنَّهُ آيَةُ التَّأْكِيدِ . وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ حَالَةَ التَّوَقَانِ يُخَافُ عَلَيْهِ ، أَوْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُهُ فِي مُحَرَّمِ الزِّنَا ، وَالنِّكَاحُ يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَكَانَ وَاجِبًا ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنِ الْحَرَامِ فَرْضٌ وَاجِبٌ . وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ إِنَّمَا شُرِعَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِينِ النَّفْسِ ، وَمَنْعِهَا عَنِ الزِّنَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ ، وَتَحْصِيلِ الثَّوَابِ الْمُحْتَمَلِ بِالْوَلَدِ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُوَحِّدُهُ . وَالَّذِي يَخَافُ الْجَوْرَ وَالْمَيْلَ يَأْثَمُ بِالْجَوْرِ وَالْمَيْلِ ، وَيَرْتَكِبُ الْمَنْهِيَّاتِ الْمُحَرَّمَاتِ ، فَيَنْعَدِمُ فِي حَقِّهِ الْمَصَالِحُ ؛ لِرُجْحَانِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ عَلَيْهَا ، وَقَضِيَّتُهُ الْحُرْمَةُ إِلَّا أَنَّ النُّصُوصَ لَا تُفَصِّلُ ، فَقُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فِي حَقِّهِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ . ( وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُوجَدُ بِهِمَا ، وَرُكْنُ الشَّيْءِ مَا يُوجَدُ بِهِ كَأَرْكَانِ الْبَيْتِ . قَالَ : ( وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ مَاضِيَيْنِ ) كَقَوْلِهِ : زَوَّجْتُكَ ، وَقَوْلِ الْآخَرِ : تَزَوَّجْتُ ، أَوْ قَبِلْتُ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِنْشَاءِ شَرْعًا ؛ لِلْحَاجَةِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ . ( أَوْ بِلَفْظَيْنِ : أَحَدُهُمَا مَاضٍ ، وَالْآخَرُ مُسْتَقْبَلٌ ، كَقَوْلِهِ : زَوِّجْنِي ، فَيَقُولُ : زَوَّجْتُكَ ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : زَوِّجْنِي - تَوْكِيلٌ ، وَالْوَكِيلُ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ النِّكَاحِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ . وَرَوَى الْمُعَلَّى