تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ( ف ) . وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِحُضُورِ رَجُلَيْنِ ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ . وَلَا بُدَّ فِي الشُّهُودِ مِنْ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ ( ف ) .
شرح
عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَوْ قَالَ : جِئْتُكَ خَاطِبًا ابْنَتَكَ ، أَوْ لِتُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ ، أَوْ زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ . فَقَالَ الْأَبُ : قَدْ زَوَّجْتُكَ - فَالنِّكَاحُ لَازِمٌ ، وَلَيْسَ لِلْخَاطِبِ أَنْ لَا يَقْبَلَ . وَلَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ ، وَالْبَيْعُ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ وَالْمُسَاوَمَةِ . وَلَوْ قَالَ لَهَا : أَنَا أَتَزَوَّجُكِ ، فَقَالَتْ : قَدْ فَعَلْتُ - جَازَ ، وَلَزِمَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَتَزَوَّجُكِ ، بِمَعْنَى تَزَوَّجْتُكِ عُرْفًا بِدَلَالَةِ الْحَالِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ . وَلَوْ قَالَ : أَتُزَوِّجُنِي ؟ فَقَالَ الْآخَرُ : زَوَّجْتُكَ - لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْبَارٌ وَاسْتِيعَادٌ ، لَا أَمْرٌ وَتَوْكِيلٌ . وَلَوْ أَرَادَ بِهِ التَّحْقِيقَ دُونَ الِاسْتِخْبَارِ وَالسَّوْمِ يَنْعَقِدُ بِهِ . قَالَ : ( وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ ) ؛ لِأَنَّهُمَا صَرِيحٌ فِيهِ . قَالَ : ( وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالتَّمْلِيكُ وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُفِيدُ الْمِلْكَ ، وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ بِوَاسِطَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ كَمَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ ، وَالسَّبَبِيَّةُ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ . وَأَمَّا لَفْظُ الْإِجَارَةِ فَرَوَى ابْنُ رُسْتَمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهَا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تُفِيدُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ ، وَلِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنِ التَّأْقِيتِ ، وَلَا تَأْقِيتَ فِي النِّكَاحِ . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ ، قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَهْرَ أَجْرًا ، فَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ كَالْإِجَارَةِ . وَعَنْ مُحَمَّدٍ : لَوْ قَالَ : أَوْصَيْتُ لَكَ بِابْنَتِي - لِلْحَالِ يَنْعَقِدُ ، وَإِنْ أَوْصَى بِهَا مُطْلَقًا لَا يَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ الْمَوْتِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا : كُلُّ لَفْظٍ يَصِحُّ لِتَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ مُطْلَقًا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ . وَرَوَى ابْنُ رُسْتَمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ لَفْظٍ يَكُونُ فِي الْأَمَةِ تَمْلِيكًا لِلرِّقِّ فَهُوَ نِكَاحٌ فِي الْحُرَّةِ .

[ ما يشترط في الشهود في النكاح ]

قَالَ : ( وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِحُضُورِ رَجُلَيْنِ ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ . وَلَا بُدَّ فِي الشُّهُودِ مِنْ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ ) فَالشُّهُودُ شَرْطٌ ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشُهُودٍ » . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : « الزَّانِيَةُ الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ » . وَأَمَّا صِفَةُ الشُّهُودِ قَالَ أَصْحَابُنَا : كُلُّ مَنْ مَلَكَ الْقَبُولَ بِنَفْسِهِ انْعَقَدَ الْعَقْدُ بِحُضُورِهِ ، وَمَنْ لَا فَلَا . وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّهَادَةِ وَالْقَبُولِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ فَجَازَ اعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ . وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اعْتِبَارِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ فِي الشَّاهِدِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ؛ لِمَا مَرَّ فِي الشَّهَادَاتِ ، وَلَا يَمْلِكُونَ الْقَبُولَ بِأَنْفُسِهِمْ . وَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ الْإِسْلَامِ فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِعَدَمِ وِلَايَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ ، وَيَجُوزُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْمَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الشَّهَادَاتِ . وَيَنْعَقِدُ بِحُضُورِ الْفَاسِقِينَ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَفْصِلُ ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَبُولَ بِنَفْسِهِ كَالْعَدْلِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْلُوبِ الْوِلَايَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُسْلَبُهَا عَنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ تَحَمَّلَ فَيَجُوزُ ; لِأَنَّ الْفِسْقَ