قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمَ الْمَخْلُوقِ ، وَإِنْ كَانَ حَادِثًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَلْقٌ آخَرُ ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ ، وَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ .
قَدْ أَجَابَهُ النَّاسُ بِأَجْوِبَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ : فَطَائِفَةٌ قَالَتْ بِقِدَمِ الْخَلْقِ دُونَ الْمَخْلُوقِ ، وَعَارَضُوهُ بِالْإِرَادَةِ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : إِنَّهَا قَدِيمَةٌ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مُحْدَثٌ . قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْخَلْقُ ، وَهَذَا جَوَابُ كَثِيرٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : بَلِ الْخَلْقُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى خَلْقٍ آخَرَ ، كَمَا أَنَّ الْمَخْلُوقَ عِنْدَهُ كُلَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى خَلْقٍ ، فَإِذَا لَمْ يَفْتَقِرْ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَى خَلْقٍ عِنْدِهِ ، فَأَنْ ( 1 ) لَا يَفْتَقِرُ الْخَلْقُ الَّذِي بِهِ خُلِقَ الْمَخْلُوقُ إِلَى خَلْقٍ أَوْلَى ، وَهَذَا جَوَابُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ .
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ : الْخَلْقُ قَائِمٌ بِهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : قَائِمٌ بِالْمَخْلُوقِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : قَائِمٌ لَا فِي مَحَلٍّ ، كَمَا يَقُولُ الْبَصْرِيُّونَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْإِرَادَةِ .
وَطَائِفَةٌ الْتَزَمَتِ التَّسَلْسُلِ ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ صِنْفَانِ : مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِوُجُودِ مَعَانٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّادٍ ( 2 ) وَأَصْحَابِهِ .
هامش
( 1 ) أ : فَإِنَّهُ .
( 2 ) هُوَ مَعْمَرُ بْنُ عَبَّادٍ السَّلَمِيُّ : مُعْتَزِلِيٌّ مِنَ الْغُلَاةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، سَكَنَ بَغْدَادَ ، وَنَاظَرَ النَّظَّامَ ، وَكَانَ أَعْظَمَ الْقَدَرِيَّةِ غُلُوًّا ، وَتُنْسَبُ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ تُعْرَفُ بِالْمَعْمَرِيَّةِ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 215 وَيُقَالُ حَوَالِي سَنَةَ 220 . قَالَ عَنْ مَذْهَبِهِ فِي الْمَعَانِي أَبُو الْقَاسِمِ الْبَلْخِيِّ فِي كِتَابِهِ " مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ " . ( ضِمْنَ كِتَابِ فَضْلِ الِاعْتِزَالِ وَطَبَقَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ ) ص [ 0 - 9 ] 1 ، تَحْقِيقُ الْأُسْتَاذِ فُؤَاد سَيِّد ، ط . تُونِسَ ، 1393 / 1974 : " وَالَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْقَوْلُ بِالْمَعَانِي ، وَتَفْسِيرُهُ أَنَّ الْحَرَكَةَ إِنَّمَا خَالَفَتِ السُّكُونَ لِمَعْنَى هُوَ غَيْرُهَا ، وَكَذَلِكَ السُّكُونُ إِنَّمَا خَالَفَ الْحَرَكَةَ بِمَعْنَى هُوَ غَيْرُهُ ، وَأَنْ ذَيْنَكَ الْمَعْنَيَيْنِ إِنَّمَا اخْتَلَفَا أَيْضًا بِمَعْنًى هُوَ غَيْرُهُمَا ، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلُّ مَعْنَيَيْنِ اخْتَلَفَا بِمَعْنَيَيْنِ غَيْرِهِمَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ . ، وَانْظُرْ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَنْ آرَائِهِ : فَضْلَ الِاعْتِزَالِ ، ص [ 0 - 9 ] 66 - 267 ; الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ ، ص [ 0 - 9 ] 1 - 94 ; الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1 / 65 - 67 ; الِانْتِصَارَ لِلْخَيَّاطِ ص [ 0 - 9 ] 5 - 48 ، ( ط . بَيْرُوتَ ، 1957 ) ; لِسَانَ الْمِيزَانِ 6 / 71 ( وَقَالَ عَنِ اسْمِهِ : بِالتَّشْدِيدِ ) ; خُطَطَ الْمَقْرِيزِيِّ 2 / 347 ; اللُّبَابَ 3 / 161 ; الْأَعْلَامَ 8 / 190 . وَانْظُرْ عَنْ مَذْهَبِهِ فِي الْمَعَانِي : مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ لِلْأَشْعَرِيِّ 1 / 228 - 229 ، 2 ; التَّبْصِيرَ فِي الدِّينِ ، ص 45 الْفِصَلَ لِابْنِ حَزْمٍ 5 / 161 - 163 ; الِانْتِصَارَ لِلْخَيَّاطِ ، ص [ 0 - 9 ] 6 - 47 ; فَلْسَفَةَ الْمُعْتَزِلَةِ لِلدُّكْتُورِ أَلْبِير نَصْرِي نَادِر 1 / 221 - 224 ; الْمُعْتَزِلَةَ لِلْأُسْتَاذِ زُهْدِي جَارِ اللَّهِ ، ص [ 0 - 9 ] 7 ، 67 - 69 .