نَصْبُ كلما كَنَصْبِ سائر الظروف ، ومعنى استكبرتم أنِفْتم وتعظمْتم من
أن تكونوا أتباعاً ، لأنهم كانت لَهم رياسة ، وكانوا متبوعين فآثروا الدنيَا على
الآخرة .
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ( 88 )
تقرأ على وجهين غُلْف وغُلُف ، وأجود القراءَتين غلْف بإسكانِ اللام لأن
له شاهدا من القرآن ومعنى غلْفٌ ذَواتُ غُلف ، الواحد منها أغْلَف وغُلْف
مثل أحْمَر وحُمْر ، فكأنهم قالوا قلوبنا في أوعية ، والدليل على ذلك قوله :
( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ )
ومن قرأ ( غُلُف ) فهو جمع غِلاف وغُلُف ، مِثْل مِثال ومُثُل ، وحِمار وحُمُر ، فيكون معنى هذا : إن قلوَبنا أوعية لِلعلم ، والأول أشبه ويجوز أن تُسَكن غُلُف فَيقال غُلْف كما يقال في جمع مثال مُثْل .
فأعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أن الأمر على خلاف ما قالوا فقال : ( بَلْ لعَنَهُمُ اللَّه بِكفرهَم ) .
معنى لعنهم في اللغة أبْعدهم ، فالتأويل - واللَّه أعلم - بل طبع اللَّهُ على
قلوبهم كما قال : ( ختم اللَّه على قلوبهم ) ثم أخبر عزَّ وجلَّ أن ذلك مجازاةٌ
منه لهم على كفرهم فقال ( بل لعنهم اللَّه بكفرهم ) ، واللعن كما وصفنا الإبعاد .
قال الشَّمَّاخ :
وماءٍ قد وردت لوَصْل أرْوى . . . عليه الطير كالورق اللَّجين
معاني القرآن وإعرابه — صفحة 169
مساهمون: ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
ص١٦٩