وأعلم أن حال المفعول فيما ذكرناه حال الفعال في أن تقديم اسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون بمثابة من يوقع به ذلك الفعل ، فإذا قلت ( أزيداً تضرب ) أنكرت أن يكون بمنزلة من يجترأ عليه ، ولذلك قدمت ( غير ) في قوله تعالى ( أغير الله أتخذ ولياً ) وقوله تعالى ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون ) .
وكان لذلك من المزية والحسن والفخامة ما يعلم إنه لو أخرت ( غير ) فقيل ( أأتخذ غير الله ولياً ، أو تدعون غير الله ) لما كان مؤدياً من المعنى ما كان يؤديه مع تقدمها ، وذلك إنه حصل بالتقدير معنى قولك ( أيكون غير الله بمنزلة من يتخذ ولياً أو يرضى عاقل لنفسه أن يفعل ذلك ) و ( أيكون جهل أجهل وعمى أعمى من
ذلك ) ولا يكون شيء من هذا الذي ذكرناه إذا قيل ( أأتخذ غير الله وليا ) وذلك لأنه يتناول الفعل أن يكون فقط ، ولا يزيد على ذلك شيئاً ، فهذا هو القول في الضرب الأول .
وأما الضرب الثاني :
وهو أن يكون يفعل لفعل موجود ، فإن تقديم الاسم يقتضي تشبيهاً بما اقتضاه في الفعل الماضي ، من الإقرار بأنه الفاعل ، أو الإنكار أن يكون هو الفاعل . فمثال الأول قوله تعالى ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) وقوله تعالى ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) فحكم المضارع في الآية الأولى حكم الماضي في الآية الثانية ، ومثال الثاني قوله تعالى ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم ) فافهم ذلك . وأعلم أني قد أطلقت عنان الكلام في مسائل الاستفهام ليتبين أن للعربية أسراراً لا يطلع على خباياها ، ولا
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 117
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص١١٧