والقباب ) صفة للملوك أيضاً وموضعها التأخير ، فقدمها ، وهو يريد بها موضعها ، كقولك ( مررت برجل ، يكلمها ، مار بهند ) أي ( مار بهند يكلمها ) فقدم الصفة
الثانية ، وهو معتقد تأخيرها . وقد استعمل الفرزدق هذا الضرب كثيراً ، كأنه كان يقصد ذلك في شعره ويتعمده ، لأن مثل هذا لا يجيء إلا متكلفاً مقصوداً ، وإلا فإذا ترك المؤلف نفسه تجري على سجيتها وطبعها في الاسترسال ، من غير أن يكلفا التعقيد في الكلام ، فإنها لا تأتي بمثل هذه الأسباب القبيحة ، التي هي عيب في التأليف فاحش ، ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا الضرب المذكور ، لأن المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح ، والإبانة وإفهام المعنى ، فإذا ذهب هذا الوصف من الكلام ذهب المراد به والمقصود منه ، وصار غير مفهوم ولا فرق بينه - عند ذلك - وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما . فاعرف ذلك .
واعلم أن من التقديم والتأخير باباً عجيباً المأخذ ، كثير الفائدة ، وافر اللطائف ، وهو باب الاستفهام ، فإن حاجة المؤلف الكلام إليه ماسة . ولنورد في كتابنا هذا منه ما يروقك ، أيها المتأمل ، ويذهب بك في الاستحسان كل مذهب ، فنقول : اعلم أنك إذا بدأت في الاستفهام بالفعل فقلت ( أفعلت كذا وكذا ) كان الشك في الفعل ، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده لا غير . وإذا قلت : ( أأنت فعلت ) فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل وحده . وهذا المعنى قائم في الهمزة ، إذ هي كانت للتقرير ، فإذا قلت ( أأنت فعلت ذاك ) كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل ، قال الله تعالى ( أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ) حكاية عن قوم نمرود ، لأنهم لم يقولوا ذلك لإبراهيم - عليه السلام - وغرضهم أن يقر لهم أن كسر الأصنام كان ووجد ، لأن ذلك معلوم عندهم ، وقد شاهدوه رأي العين ، والاستفهام إنما يكون عن شيء لا يعلم وإنما غرضهم الإقرار بأن ذلك حدث منه ، لأنه قال - صلوات الله عليه - في الجواب لهم ( بل فعله كبيرهم هذا ) ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب ( فعلت أو لم أفعل ) فالهمزة مما ذكرناه تقرير لفعل قد كان وإنكار له ، لم
كان ، وتوبيخ لفاعله عليه ، ولهذا مذهب آخر
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 114
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص١١٤