تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
لوجب أن يكون ( فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم ) وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هو تعظيم لشأن المقسم به ، في نفس السابع ، ألا ترى قوله تعالى ( لو تعلمون ) اعتراضاً بين الموصوف والصفة ، وذلك أوقع في الأنفس ، لتعظيم المقسم به ، أي إنه من عظيم الشأن وفخامة الأمر بحيث لو علم ذلك لو في حقه من التعظيم . وهذا مثل قولنا ( إن هذا الأمر لعظيم ، بحيث لو تعلم يا فلان عظمه ، لقدرته حق قدره ) . فإن ذلك يكبر في نفس المخاطب ، ويعظم موقعه عنده ، ويبقى متطلعاً إلى معرفة عظمه ، ويترامى به وهمه إلى أعلى المنازل وأسبق الرتب . ومن هذا النحو قوله تعالى ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن . وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير ) ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي طبق مفصل البلاغة ، فإنه لم يؤت به إلا لفائدة كبيرة ، وذلك إنه لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق والمتاعب ، في حمل الولد وفضاله ، إيجاباً للتوصية بالوالدة وتذكيراً بحقها ، وإنما خصها بالذكر دون الوالد ، لأنها تتكلف من أمر الولد ما لا يتكلفه الوالد ، ومن ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له ( من أبر ) : أمك ثم أمك . ثم قال بعد ذلك ( أباك ) . ومما جاء على هذا الأسلوب قوله تعالى ( وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) فقوله تعالى ( والله مخرج ما كنتم تكتمون ) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وفائدته إنه يقرر في أنفس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعاً لهم في إخفائه وكتمانه ، لأن الله مظهر لذلك ومخرج له ، ولو جاء الكلام خالياً من هذا الاعتراض لكان ( وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها ) ولا يخفى على العارف بهذه الصناعة الفرق بين ذلك وبين كونه معترضاً فيه ،