تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
تَفْصِيل ذَلِك أَن الأولى إِنَّمَا تَأتي من قوم ذَوي تجاذب ، وَقَلِيل مَا هم ، وبرياضات شاقة ، وتفرغ قوى ، وَقَلِيل من يَفْعَلهَا ، وَإِنَّمَا أئمتها قوم أهملوا معاشهم ، وَلَا دَعْوَة لَهُم فِي الدُّنْيَا ، وَلَا تتمّ إِلَّا بِتَقْدِيم جملَة صَالِحَة من الثَّانِيَة وَلَا يخلوا من إهمال إِحْدَى السعادتين إصْلَاح الارتفاقات فِي الدُّنْيَا وَإِصْلَاح النَّفس للآخرة ، فَلَو أَخذ بهَا أَكثر النَّاس خربَتْ الدُّنْيَا ، وَلَو كلفوا بهَا كَانَ كالتكاليف بالمحال ، لِأَن الارتفاقات صَارَت كالجبلة ، وَالثَّانيَِة إِنَّمَا أئمتها المفهمون ، وذوو إصْلَاح ، وهم القائمون برياسة الدّين وَالدُّنْيَا مَعًا ، ودعوتهم هِيَ المقبولة ، وسنتهم هِيَ المتبعة ، وينحصر فِيهَا كَمَال المصطلحين من السَّابِقين أَصْحَاب الْيَمين ، وهم أَكثر النَّاس وجودا ، ويتمكن مِنْهَا الذكي والغبي ، والمشتغل والفارغ ، وَلَا حرج فِيهَا وتكفي العَبْد فِي استقامة نَفسه ، وَدفع أعوجاجها ، وَدفع الآلام المتوقعة فِي الْمعَاد عَنْهَا ، إِذْ لكل نفس أَفعَال ملكية تتنعم بوجودها ، وتتألم بفقدها أما أَحْكَام التجرد فسيلقي إِلَيْهَا نشآت الْقَبْر والحشر من حَيْثُ لَا يدْرِي بجبلتها وَلَو بعد حِين . . . . ستبدي لَك الْأَيَّام مَا كنت جَاهِلا . . . ويأتيك بالأخبار من لم تزَود . . . وَبِالْجُمْلَةِ فالإحاطة واستقصاء وُجُوه الْخَيْر كالمحال فِي حق الْأَكْثَرين ، وَالْجهل الْبَسِيط غير الضار ، وَالله أعلم . ( بَاب الْأُصُول الَّتِي يرجع إِلَيْهَا تَحْصِيل الطَّرِيقَة الثَّانِيَة ) اعْلَم أَن طرق تَحْصِيل السَّعَادَة على الْوَجْه الثَّانِي كَثِيرَة جدا غير أَنِّي فهمني الله تَعَالَى بفضله أَن مرجعها إِلَى خِصَال أَربع تتلبس بهَا البهيمية مَتى غطتها النَّفس النطقية ، وقسرتها على مَا يُنَاسِبهَا ، وَهِي أشبه حالات الْإِنْسَان بِصفة الْمَلأ الْأَعْلَى معدة للحوقة بهم ، وانخراطه فِي سلكهم ، وفهمني أَنه إِنَّمَا بعث الْأَنْبِيَاء للدعوة إِلَيْهَا والحث عَلَيْهَا وَأَن الشَّرَائِع تَفْصِيل لَهَا وراجعة إِلَيْهَا . أَحدهَا : الطَّهَارَة ، وحقيقتها أَن الْإِنْسَان عِنْد سَلامَة فطرته وَصِحَّة مزاجه وتفرع قلبه من الْأَحْوَال السلفية الشاغلة لَهُ عَن التَّدْبِير إِذا تلطخ بالنجاسات ، وَكَانَ حاقبا حاقنا قريب الْعَهْد من الْجِمَاع ودواعيه ، انقبضت نَفسه ، وأصابه ضيق وحزن ، وَوجد نَفسه فِي غاشية عَظِيمَة ، ثمَّ إِذا تخفف عَن الأخبثين ، ودلك بدنه ، واغتسل وَلبس أحسن ثِيَابه ، وتطيب انْدفع عَنهُ ذَلِك الانقباض ، وَوجد مَكَانَهُ انشراحا وسرورا وانبساطا كل ذَلِك لَا لمراءاة النَّاس وَالْحِفْظ على رسومه ، بل لحكم النَّفس النطقية فَقَط ،