ذَلِك فَإِنَّهَا تشتبك مَعهَا تِلْكَ الكيفيات ، وتتشبح كَمَا تتشبح نقوش الْخَاتم فِي الشمعة فَإِذا فَارَقت الْجَسَد ، وتخففت عَن العلائق الظلمانية المتراكمة ، وَرجعت إِلَى مَا عِنْدهَا لم تَجِد شَيْئا مِمَّا كَانَ فِي الدُّنْيَا من مخلفات الملكية فَحصل لَهَا الْأنس ، وَصَارَت فِي أرغد عَيْش .
والشحيحة تتمثل نقوشها عِنْدهَا ، كَمَا ترى بعض النَّاس يسرق مِنْهُ مَال نَفِيس فَإِن كَانَ سخيا لم يجدله بَالا ، وَإِن كَانَ رَكِيك النَّفس صَار كَالْمَجْنُونِ ، وتمثلت عِنْده ، والسماحة وضدها لَهما ألقاب كَثِيرَة بِحَسب مَا يكونَانِ فِيهِ ، فَمَا كَانَ مِنْهُمَا فِي المَال يُسمى سخاوة وشحا ، وَمَا كَانَ فِي دَاعِيَة شَهْوَة الْفرج أَو الْبَطن يُسمى عفة وشرة ، وَمَا كَانَ فِي دَاعِيَة الرَّفَاهِيَة والنبو عَن المشاق يُسمى صبرا وهلعا ، وَمَا كَانَ فِي دَاعِيَة الْمعاصِي الممنوعة عَنْهَا فِي الشَّرْع يُسمى تقوى وفجورا ، وَإِذا تمكنت السماحة من الْإِنْسَان بقيت نَفسه عرية عَن شهوات الدُّنْيَا ، واستعدت للذات الْعلية الْمُجَرَّدَة ، والسماحة هَيْئَة تمنع الْإِنْسَان من أَن يتَمَكَّن مِنْهُ ضد الْكَمَال الْمَطْلُوب علما وَعَملا .
الرَّابِعَة الْعَدَالَة ، وَهِي ملكة فِي النَّفس تصدر عَنْهَا الْأَفْعَال الَّتِي يُقَام بهَا نظام الْمَدِينَة والحي بسهولة ، وَتَكون النَّفس كالمجبول على تِلْكَ الأفاعيل والسر فِي ذَلِك أَن الْمَلَائِكَة والنفوس الْمُجَرَّدَة عَن العلائق الجسمانية ينطبع فِيهَا مَا أَرَادَ الله فِي خلق الْعَالم من إصْلَاح النظام وَنَحْوه ، فتنقلب مرضياتها إِلَى مَا يُنَاسب ذَلِك النظام ، فَهَذِهِ طبيعة الرّوح الْمُجَرَّدَة ، فَإِن فَارَقت جَسدهَا وفيهَا شَيْء من هَذِه الصّفة ابتهجت كل الابتهاج ، وَوجدت سَبِيلا إِلَى اللَّذَّة الْمُفَارقَة عَن اللَّذَّات الخسيسة ، وَإِن فَارَقت وفيهَا ضد هَذِه الْخصْلَة ضَاقَ
عَلَيْهَا الْحَال ، وتوحشت ، وتألمت ، فَإِذا بعث الله نَبيا لإِقَامَة الدّين ، وليخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور ، وَيقوم النَّاس بِالْعَدْلِ ، فَمن سعى فِي إِشَاعَة هَذَا النُّور ، ووطأ لَهُ فِي النَّاس كَانَ مرحوما ، وَمن سعى لردها وإخمالها كَانَ ملعونا مرجوما ، وَإِذا تمكنت الْعَدَالَة من الْإِنْسَان وَقع اشْتِرَاك بَينه وَبَين حَملَة الْعَرْش ومقربي الحضرة من الْمَلَائِكَة الَّذين هم وسائط نزُول الْجُود والبركات ، وَكَانَ ذَلِك بَابا مَفْتُوحًا بَينه وَبينهمْ ، ومعدا لنزول ألوانهم وصبغهم بِمَنْزِلَة تَمْكِين النَّفس من إلهام الْمَلَائِكَة والانبعاث حسبها .
فَهَذِهِ الْخِصَال الْأَرْبَع إِن تحققت حَقِيقَتهَا ، وفهمت كَيْفيَّة اقتضائها للكمال العلمي والعملي وإعدادها للانسلاك فِي سلك الْمَلَائِكَة ، وفطنت كَيْفيَّة انشعاب الشَّرَائِع الإلهية بِحَسب كل عصر مِنْهَا - أُوتيت الْخَيْر الْكثير ، وَكنت فَقِيها فِي الدّين مِمَّن أَرَادَ الله بهم خيرا ،
حجة الله البالغة — صفحة 108
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٠٨