تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
( بَاب اخْتِلَاف النَّاس فِي السَّعَادَة ) اعْلَم أَن الشجَاعَة وَسَائِر الْأَخْلَاق كَمَا يخْتَلف أَفْرَاد الْإِنْسَان فِيهَا ، فَمنهمْ الفاقد الَّذِي لَا يُرْجَى لَهُ حُصُولهَا أبدا لقِيَام هَيْئَة مضادة فِي أصل جبلته ، كالمخنث وَضَعِيف الْقلب جدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشجَاعَة . وَمِنْهُم الفاقد الَّذِي يُرْجَى لَهُ ذَلِك بعد ممارسة أَفعَال وأقوال وهيئات تناسبها وتلقي ذَلِك من أَهلهَا ، وتذكر أَحَادِيث أئمتها وَمَا جرى عَلَيْهِم من الْحَوَادِث فِي الْأَيَّام ، فثبتوا فِي الشدائد ، وأقدموا على المهالك . وَمِنْهُم الَّذِي خلق فِيهِ أصل الْخلق ، وَلَا تزَال تنبجس فِيهِ فلتات كل حِين ، فَإِن أَمر بِحَبْس نَفسه عَنْهَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمر ، وَسكت على غيظ ، وَأَن أَمر بِمَا يُنَاسب جبلته كَانَ كالكبريت يتَّصل بِهِ النَّار ، فَلَا يتراخى احتراقه وَمِنْهُم الَّذِي خلق فِيهِ الْخلق كَامِلا وافرا ، ويندفع إِلَى مقتضياته ضَرُورَة ، وَإِن دعِي إِلَى الْجُبْن أَشد دَعْوَة لم يقبل ، ويتيسر لَهُ الْخُرُوج إِلَى أَفعَال هَذَا الْخلق والهيئات الْمُنَاسبَة لَهُ بالطبع من غير رسم وَلَا دَعْوَة ، وَهَذَا هُوَ الإِمَام فِي هَذَا الْخلق لَا يحْتَاج إِلَى إِمَام أصلا ، وَيجب على الَّذين هم دونه فِي الْخلق أَن يَتَمَسَّكُوا بسنته ، ويعضوا بنواجذهم على رسومه ، ويتكلفوا فِي محاكاة هيئآته ، ويتذكروا وقائعه ، ليتحرجوا إِلَى الْكَمَال المتوقع لَهُم من الْخلق بِحَسب مَا قدر لَهُم ، فَكَذَلِك يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا الْخلق الَّذِي عَلَيْهِ مدَار سعادتهم ، فَمنهمْ الفاقد الَّذِي لَا يُرْجَى صَلَاحه كَالَّذي قَتله الْخضر طبع كَافِرًا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى : { صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ } . وَمِنْهُم الفاقد الَّذِي يُرْجَى لَهُ ذَلِك بعد رياضات شاقة وأعمال دِيمَة يُؤَاخذ بهَا نَفسه وَيحْتَاج إِلَى دَعْوَة حثيثة من الْأَنْبِيَاء وَسنَن مأثورة مِنْهُم وَهَؤُلَاء أَكثر النَّاس وجودا ، وهم المقصودون فِي الْبعْثَة أَولا وبالذات . وَمِنْهُم الَّذِي ركب فِيهِ الْخلق إِجْمَالا وينبجس مِنْهُ فلتأته إِلَّا أَنه يحْتَاج فِي التَّفْصِيل وتمهيد الهيئات على مَا يُنَاسب الْخلق فِي كثير مِمَّا يَنْبَغِي إِلَى إِمَام وَفِيه قَوْله تَعَالَى : { يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار } وهم السباق .