وَمِنْهُم الْأَنْبِيَاء يَتَأَتَّى لَهُم الْخُرُوج إِلَى كَمَال هَذَا الْخلق وَاخْتِيَار هيئات مُنَاسبَة لَهُ وَكَيْفِيَّة تَحْصِيل الْفَائِت وإبقاء الْحَاضِر وإتمام النَّاقِص من غير إِمَام وَلَا دَعْوَة ، فينتظم من جريانهم فِي مُقْتَضى جبلتهم سنَن يتذكرها النَّاس ، ويتخذونها دستورا ، وَكَيف وَلما كَانَت الحدادة وَالتِّجَارَة وأمثالهما لَا تَأتي من جُمْهُور النَّاس إِلَّا بسنن مأثورة عَن أسلافهم ، فَمَا ظَنك بِهَذِهِ المطالب الشَّرِيفَة الَّتِي لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا إِلَّا الموفقون " وَمن هَذَا الْبَاب يَنْبَغِي أَن يعلم شدَّة الْحَاجة إِلَى الْأَنْبِيَاء وَوُجُوب اتباع سنتهمْ والاشتغال بأحاديثهم وَالله أعلم .
( بَاب توزع النَّاس فِي كَيْفيَّة تَحْصِيل هَذِه السَّعَادَة )
اعْلَم أَن هَذِه السَّعَادَة تحصل بِوَجْهَيْنِ ، أَحدهمَا مَا هُوَ كالانسلاخ عَن الطبيعية البهيمية ، وَذَلِكَ أَن يتَمَسَّك بالحيل الجالبة لركود أَحْكَام الطبيعة وخمود سورتها ، وانطفاء لَهب علومها وحالاتها ، وَيقبل على التَّوَجُّه التَّام إِلَى مَا وَرَاء الْجِهَات من الجبروت ، وَقبُول النَّفس لعلوم مُفَارقَة عَن الزَّمَان وَالْمَكَان بِالْكُلِّيَّةِ ، ولذات مباينة اللَّذَّات المألوفة من كل وَجه ، حَتَّى يصير لَا يخالط النَّاس ، وَلَا يرغب فِيمَا يرغبون ، وَلَا يرهب مِمَّا يرهبون ، وَيكون مِنْهُم على طرف شاسع ، وصقع بعيد ، وَهَذَا الَّذِي يرومه المتألهون من الْحُكَمَاء ، والمجذبون من الصُّوفِيَّة ، فوصل بَعضهم غَايَة مداها ، وَقَلِيل مَا هم وَبَقِي آخَرُونَ مشتاقين لَهَا ، طامحة أَبْصَارهم إِلَيْهَا ، متكلفين لمحاكاة هيآتها .
وَثَانِيهمَا مَا هُوَ كالإصلاح للبهيمية وَالْإِقَامَة لعوجها مَعَ تعلق أَصْلهَا ، وَذَلِكَ أَن يسْعَى فِي محاكاة البهيمية مَا عِنْد النَّفس النطقية بِأَفْعَال وهيئات وأذكار وَنَحْوهَا ، كَمثل مَا يحاكي الْأَخْرَس أَقْوَال النَّاس بإشاراته ، والمصور
أحوالا نفسانية من الوجل والخجل بهيآت مبصرة يجدهَا متعانقة مَعَ تِلْكَ الْأَحْوَال ، والثكلى تفجعها بِكَلِمَات وترجيعات لَا يسْمعهَا أحد إِلَّا حزن وتمثل عِنْده صُورَة التفجع .
وَلما كَانَ مبْنى التَّدْبِير الإلهي فِي الْعَالم على اخْتِيَار الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ، والأسهل فالأسهل ، وَالنَّظَر إِلَى صَلَاح مَا يجْرِي مجْرى جملَة أَفْرَاد النَّوْع دون الشاذة والفاذة ، وَإِقَامَة مصَالح الدَّاريْنِ من غير أَن ينخرم نظام شَيْء مِنْهُمَا اقْتضى لطف الله وَرَحمته أَن يبْعَث الرُّسُل أَولا وبالذات لإِقَامَة الطَّرِيق الثَّانِيَة ، والدعوة إِلَيْهَا ، والحث عَلَيْهَا ، وَيدل على الأولى بإشارات التزامية ، وتلويحات تضمنية لَا غير ، وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة .
حجة الله البالغة — صفحة 105
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٠٥