وَالْحَالة المركبة مِنْهَا تسمى بالفطرة ، وللفطرة أَسبَاب تحصل بهَا ، بَعْضهَا علمية ، وَبَعضهَا عملية ، وحجب تصد الْإِنْسَان عَنْهَا ، وحيل تكسر الْحجب ، وَنحن نُرِيد أَن ننبهك على هَذِه الْأُمُور ، فاستمع لما يُتْلَى عَلَيْك بِتَوْفِيق الله تَعَالَى وَالله أعلم .
( بَاب طَرِيق اكْتِسَاب هَذِه الْخِصَال وتكميل ناقصها ورد فائتها )
اعْلَم أَن اكْتِسَاب هَذِه الْخِصَال يكون بتدبيرين : تَدْبِير علمي ، وتدبير عَمَلي .
أما التَّدْبِير العلمي ، فَإِنَّمَا احْتِيجَ لَهُ لِأَن الطبيعة منقادة للقوى العلمية ، وَلذَلِك ترى سُقُوط الشَّهْوَة والشبق عِنْد خطور مَا يُورث فِي النَّفس كَيْفيَّة الْحيَاء أَو الْخَوْف ، فَمَتَى امْتَلَأَ علمه بِمَا يُنَاسب الْفطْرَة جر ذَلِك إِلَى تحققها فِي النَّفس ، وَلذَلِك أَن يعْتَقد أَن لَهُ رَبًّا منزها عَن الأدناس البشرية ، لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء ، مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم ، يفعل مَا يَشَاء ، وَيحكم مَا يُرِيد لاراد لقضائه ، وَلَا مَانع لحكمه ، منعم بِأَصْل الْوُجُود وتوابعه من النعم الجسمانية
والنفسانية ، مجَاز على أَعماله ، إِن خيرا فَخير ، وَإِن شرا فشر ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " أذْنب عَبدِي ذَنبا ، فَعلم أَن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب ، وَيَأْخُذ بالذنب ، قد غفرت لعبدي " .
وَبِالْجُمْلَةِ فيعتقد اعتقادا مؤكدا مَا يُفِيد الهيبة وَغَايَة التَّعْظِيم ، وَمَا لَا يبْقى وَلَا يذر فِي قلبه جنَاح بعوضة من إخبات غَيره ورهبته ، ويعتقد أَن كَمَال الْإِنْسَان أَن يتَوَجَّه إِلَى ربه ، ويعبده ، وَأَن أحسن حالات الْبشر أَن يتشبه بِالْمَلَائِكَةِ ، وَيَدْنُو مِنْهُم ، وَأَن هَذِه الْأُمُور مقربة لَهُ من ربه ، وَأَن الله تَعَالَى ارتضى مِنْهُم ذَلِك ، وَأَنه حق الله عَلَيْهِ لَا بُد لَهُ توفيقه .
وَبِالْجُمْلَةِ فَيعلم علما لَا يحْتَمل النقيض أَن سعادته فِي اكْتِسَاب هَذِه ، وَأَن شقاوته فِي إهمالها ، وَلَا بُد لَهُ من سَوط يُنَبه البهيمية تَنْبِيها قَوِيا ، ويزعجها إزعاجا شَدِيدا ، وَاخْتلف مسالك الْأَنْبِيَاء فِي ذَلِك فَكَانَ عُمْدَة مَا أنزل الله تَعَالَى على إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام التَّذْكِير بآيَات الله الباهرة وَصِفَاته الْعليا ونعمه الآفاقية والنفسانية ، حَتَّى يصحح بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ أَنه حقيق أَن يبذلوا لَهُ الملاذ ، وَأَن يؤثروا ذكره على مَا سواهُ ، وَأَن يحبوه حبا شَدِيدا ، ويعبدوه بأقصى مجهودهم ، وَضم الله مَعَه لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام التَّذْكِير بأيام الله ، وَهُوَ بَيَان مجازاة الله تَعَالَى للمطيعين والعصاة فِي الدُّنْيَا ، وتقليبه النعم والنقم حَتَّى يتَمَثَّل فِي صُدُورهمْ الْخَوْف من الْمعاصِي ، ورغبة قَوِيَّة فِي الطَّاعَات ، وَضم مَعَهُمَا ل نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنْذَار والتبشير بحوادث الْقَبْر ، وَمَا بعده ، وَبَيَان خَواص الْبر والاثم ،
حجة الله البالغة — صفحة 109
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٠٩