تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
وَقسم إِنَّمَا روحه هَيْئَة إذعان البهيمية للملكية بِأَن تتصرف حسب وحيها ، وتنصبغ بصبغها ، وتمنع الملكية مِنْهَا بألا تقبل ألوانها الدنية ، وَلَا تنطبع فِيهَا نقوشها الخسيسة ، كَمَا تنطبع نقوش الْخَاتم فِي الشمعة ، وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِك إِلَّا أَن تَقْتَضِي الملكية شَيْئا من ذَاتهَا ، وتوحيه إِلَى البهيمية ، وتقترحه عَلَيْهَا ، ومتنقاد لَهَا ، وَلَا تبغي عَلَيْهَا ، وَلَا تتمنع مِنْهَا ، ثمَّ تَقْتَضِي أَيْضا ، فتنقاد هَذِه أَيْضا ، ثمَّ ، وَثمّ حَتَّى تعتاد ذَلِك ؛ وتتمرن ، وَهَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي تقتضيها هَذِه من ذَاتهَا وتقسر عَلَيْهَا تِلْكَ على رغم أنفها إِنَّمَا يكون من جنس مَا فِيهِ انْشِرَاح لهَذِهِ وانقباض لتِلْك ، وَذَلِكَ كالتشبه بالملكوت ، والتطلع للجبروت ، فَإِنَّهَا خَاصَّة الملكية بعيدَة عَنْهَا البهيمية غَايَة الْبعد ، أَو يتْرك مَا تَقْتَضِيه البهيمية ، وتستلذه ، وتشتاق إِلَيْهِ فِي غلوائها . وَهَذَا الْقسم يُسمى بالعبادات والرياضات وَهِي شركات تَحْصِيل الْفَائِت من الْخلق الْمَطْلُوب ، فآل تَحْقِيق الْمقَام إِلَى أَن السَّعَادَة الْحَقِيقِيَّة لَا تقتنص إِلَّا بالعبادات ، وَلذَلِك كَانَت الْمصلحَة الْكُلية تنادي أَفْرَاد الْإِنْسَان من كوَّة الصُّورَة النوعية ، وتأمرها أمرا مؤكدا أَن تجْعَل إصْلَاح الصِّفَات الَّتِي هِيَ كَمَال ثَان بِقدر الضَّرُورَة ، وَأَن تجْعَل غَايَة همتها ومطمح بصرها تَهْذِيب النَّفس وتحليتها بهيآت تجعلها شَبيهَة بِمَا فَوْقهَا من الْمَلأ الْأَعْلَى مستعدة لنزول أكوان الجبروت والملكوت عَلَيْهَا ، وَأَن تجْعَل البهيمية مذعنة للملكية مطيعة لَهَا منصة لظُهُور أَحْكَامهَا . وأفراد الْإِنْسَان عِنْد الصِّحَّة النوعية ، وتمكين الْمَادَّة لظُهُور أَحْكَام النَّوْع كَامِلَة وافرة تشتاق إِلَى هَذِه السَّعَادَة وتنجذب إِلَيْهَا انجذاب الْحَدِيد إِلَى المغناطيس ، وَذَلِكَ خلق خلق الله النَّاس عَلَيْهِ ، وفطرة فطرهم عَلَيْهَا ، وَلِهَذَا مَا كَانَ فِي بني آدم أمة من أهل المزاج المعتدل إِلَّا فِيهَا قوم من عظمائهم يهتمون بتكميل هَذَا الْخلق ، ويرونه السَّعَادَة القصوى ، ويراهم الْمُلُوك والحكماء فَمن دونهم فائزين بِمَا يجل عَن سعادات الدُّنْيَا كلهَا ، ملتحقين بِالْمَلَائِكَةِ ، منخرطين فِي سلكهم ، حَتَّى صَارُوا يتبركون بهم ، ويقبلون أَيْديهم وأرجلهم ، فَهَل يُمكن أَن يتَّفق عرب النَّاس وعجمهم على اخْتِلَاف عاداتهم وأديانهم وتباعد مساكنهم وبلدانهم على شَيْء ، وَاحِد وحدة نوعية إِلَّا لمناسبة فطرية ، كَيفَ لَا وَقد عرفت أَن الملكية مَوْجُودَة فِي أصل فطْرَة الْإِنْسَان ، وَعرفت أفاضل النَّاس وأساطينهم من هم ، وَالله أعلم .