تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
بِصِفَات يُشَارك فِيهَا الْأَجْسَام المعدنية ، كالطول وَعظم الْقَامَة ، فَإِن كَانَت السَّعَادَة هَذِه ، فالجبال أتم سَعَادَة ، وصفات يُشَارك فِيهَا النَّبَات كالنمو الْمُنَاسب وَالْخُرُوج إِلَى تخاطيط جميلَة وهيئات ناضرة ، فَإِن كَانَت السَّعَادَة هَذِه فالشقائق والأوراد أتم سَعَادَة ، وصفات يُشَارك فِيهَا الْحَيَوَان ، كشدة الْبَطْش وجهورية الصَّوْت وَزِيَادَة الشبق وَكَثْرَة الْأكل وَالشرب ووفور الْغَضَب والحسد ، فَإِن كَانَت السَّعَادَة هَذِه فالحمار أتم سَعَادَة ، وصفات يخْتَص بهَا الْإِنْسَان كالأخلاق المهذبة والارتفاقات الصَّالِحَة والصنائع الرفيعة والجاه الْعَظِيم ، فبادئ الرَّأْي أَنَّهَا سَعَادَة الْإِنْسَان ، وَلذَلِك ترى كل أمة من أُمَم النَّاس يسْتَحبّ أتمهَا عقلا وأسدها رَأيا أَن يكْتَسب هَذِه ، وَيجْعَل مَا سواهَا كَأَنَّهَا لَيْسَ صِفَات مدح ، وَلَكِن الْأَمر إِلَى الْآن غير منقح لِأَن أصل هَذِه مَوْجُود فِي أَفْرَاد الْحَيَوَان ، فالشجاعة أَصْلهَا الْغَضَب وَحب الانتقام والثبات فِي الشدائد والإقدام على المهالك ، وَهَذِه كلهَا موفرة فِي الفحول من الْبَهَائِم ، لَكِن لَا تسمى شجاعة إِلَّا بعد مَا يهذبها فيض النَّفس النطقية ، فَتَصِير منقادة للْمصْلحَة الْكُلية منبعثة من دَاعِيَة معقولة ، وَكَذَلِكَ أصل الصناعات مَوْجُود فِي الْحَيَوَان كالعصفور الَّذِي ينسج العش ، بل رب صَنْعَة يصنعها الْحَيَوَان بطبيعته لَا يتَمَكَّن مِنْهَا الْإِنْسَان بتجشم ، كلا بل الْحق أَن هَذِه سَعَادَة بِالْعرضِ وَأَن السَّعَادَة الْحَقِيقَة هِيَ انقياد البهيمية للنَّفس النطقية ، وَاتِّبَاع الْهوى لِلْعَقْلِ ، وَكَون النَّفس الناطقة قاهرة على البهيمية وَالْعقل غَالِبا على الْهوى وَسَائِر الخصوصيات ملغاة . وَاعْلَم أَن الْأُمُور الَّتِي تشبك بالسعادة الْحَقِيقِيَّة على قسمَيْنِ : قسم هُوَ من بَاب ظُهُور فيض النَّفس النطقية فِي المعاش بِحكم الجبلة ، وَلَا يُمكن أَن يحصل الْخلق الْمَطْلُوب بِهَذَا الْقسم ، بل رُبمَا يكون الغوص فِي تِلْكَ الْأَفْعَال بزينتها لَا سِيمَا بفكر جزئي كَمَا هُوَ شَأْن النَّاقِص ضد الْكَمَال الْمَطْلُوب ، كَالَّذي يقْصد تَحْصِيل الشجَاعَة بإثارة الْغَضَب والمصارعة وَنَحْو ذَلِك ، أَو الفصاحة بِمَعْرِفَة أشعار الْعَرَب وخطبهم ، والأخلاق لَا تظهر إِلَى عِنْد مزاحمات من نَبِي النَّوْع ، والارتفاقات لَا تقتنص الابحاجات طارئه ، والصنائع لَا تتمّ إِلَّا بآلات ومادة ، وَهَذِه كلهَا منقضية بِانْقِضَاء الْحَيَاة الدُّنْيَا ، فَإِن مَاتَ النَّاقِص فِي تِلْكَ الْحَالة ، وَكَانَ سمجا بَقِي عَارِيا عَن الْكَمَال وَإِن لزق بِنَفسِهِ صور هَذِه العلاقات كَانَ الضَّرَر عَلَيْهِ أَشد من النَّفْع ،