إليه دلة القرابة وحداثة سنه فكلمته فسقاني ، ثم ما رأيته بعدها إلى يومي هذا . قالت لها مي : فهل كان منك إليه شعر ومنه إليك شعر ؟ قال لها : لا والله ما كان بيني وبينه كلمة غير استسقائي الماء إليه . وآتاها علم أمر قبيس وما وشى بينهما ، فندمت على ما كان منها إليه ، وبعث إليه ، فلم تجده وتعاظم شوقها لما علمت من كلفه بها وبراءته مما أنطقته به . فبينما هي تسأل عنه وتلتمس من لقيه إذ نعي إليها ، فتوارت عن الحي إلى تلعة أمام الحي وتبعتها جارية من الحي يقال لها سلمى من بنات عمها كانت مؤانسة لها مطلعة على أسرارها فوجدتها ساكتة تنظر يميناً وشمالاً كأنها جنت . قالت : ي مي أراك هبلاء وقد مات مضاض ؟ قالت لها : قسوة أدركتني منعتني الدمع ، وفي الدمع إراحة ، لو أصبت إليه سبيلاً . فلما سمعت نساء الحي ينتحبن وعلت أصواتهن أجابها الدمع
فبكت ، وأنشأت تقول شعراً :
آيا موطن الموت الذي فيه قبره . . . سقتك الغوادي الساريات الهوامع
ويا ساكناً بالدوحتين مغيبا . . . لأن طرت عن ألف فالقك تابع
ثم قالت :
أيا شجر الزيتون ضميت مهجة . . . أنت هضبة من دونها ورياض
ويا دوحة الزيتون بالله فرجي . . . عن الكبد الحراء كيف مضاض
لئن جاد لي وجداً بنفس كريمة . . . أثبه بنفسي والثواب قراض
أأرغب في الدنيا حياة سقيمة . . . ويأتي سواد دونه وبياض
كتاب التيجان في ملوك حمير — صفحة 235
مساهمون: ابن هشام الحميري
ص٢٣٥