قالت : وآلت على نفسها أن لا تشرب ماء حتى يرد جمل أبيها هوز - وكان هوز لا يرد إلا عن خمس - فأقامت يوميين وليلتين ، فلما كان يوم الثالث - ولا أحد يعلم بها غير سلمى - غشيها الموت مع الليل فولت إلى الربوة واتبعتها سلمى . فلما بلغت أعلى الربوة سقطت ، قال سلمى : فوضعت يدي على فمها فوجدته كالحجر الصلد ، فرفعت رأسها إلي بلسان غليظ وصوت خفي ، فقالت بكلام ضعيف لا أكاد أبينه ( قولي لأبي يدفنني بالدوحتين بجوار مضاض ) وقالت :
يقولون مي أسرعت بفراقها . . . فمات مضاض والهوى غير نادم
فيا ليت أني مت من قبل موته . . . بطيب الهوى قبل الردى المتفاقم
لقد مت يوم الماء موتاً أمر من . . . سمام الأفاعي في نقيع العلاقم
فهل هو إلا الروح بالروح أسوة . . . وها هي نفس ارتقت في الحيازم
وقالت سلمى تبكي مياً :
لم تكن لوعة الهوى لانفراج . . . من يقاسي الهوى فليس يناجي
إن يكن مات من هواها مضاض . . . قد قضت دينه بأيسر حاج
غرس الحب في حشاها فوجاً . . . قلبها بعدة بمدية واج
إن في الموت راحة المحب . . . بات في الوصل ساعة غير راج
ثم لم تلبث إلا يسيراً حتى ماتت وبلغت سلمى أباها فأعلمته ، فدفنها في الدوحتين . وها هنا قبرها غير إني لا أقف عليه ، ولقد ضرب بموت
كتاب التيجان في ملوك حمير — صفحة 236
مساهمون: ابن هشام الحميري
ص٢٣٦