تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الفكر في النحو — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
المصادر . ولم يعلل النحويون هذا الأصل بأكثر من أن قالوا : إنما لم يجز ذلك لأنه لا فائدة فيه . . ولم يكشفوا عن سر عدم الفائدة . وسره أن الزمان لما كان أحداثاً تحدث عن حركة الفلك ، وكان البشر يحتاجون إلى تقييد إحداثهم وتأريخها بأحداث تقارنها معلومة عند المخاطب . كما يقيدونها بالأماكن التي تقع فيها ، جعل الله - تعالى - لهم في حركات الفلك حوادث تختلف بما يقارنها من النور والظلمة ، وارتفاع الشمس وانحدارها ، لأن الحركات لا تختلف لذواتها ولا تمييز بأنفسها . ولما كانت هذه الحوادث التي هي أجزاء الزمان معلومة عند جميع المخاطبين ، جعلوها تأريخا وتقييداً لأفعالهم وحياتهم وموتهم وجميع الأمور النازلة بهم ، فلا معنى لوقت الفعل إلا أنه حادث يقارنه حادث معلوم عند من يخاطبه ، فإذا أخبرته أن فعلك قارن ذلك الحادث المعلوم عنده توقت له وتقيد ، فسميناه وقتا ، وهو في الأصل مصدر : " وقت الشيء أوقته " : إ ذا حددته وقدرته . ولو أمكن أن تقيد وتؤرخ بما يقارن الفعل من الحوادث التي هي غير الزمان استغنيت عن الزمان ، نقول : قمت عند خروج الأمير ، وخرجت عند قدوم الحاج ، أو : مع قدوم الحاج ، لكان ذلك أيضا توقيتاً وتأريخاً . ولكن الذي هو معلوم عند جميع المخاطبين إنما هي أجزاء الزمان كالشهر والسنة واليوم وما دون ذلك ، وإذا كان الأمر كذلك فلا معنى لقولك : " زيد اليوم " و " الغلام غدا " لأن الجثث ليست بأحداث فيحتاج إلى تقييدها بما يقارنها وتأريخها بما يحدث معها ، ولذلك تقول : " إن أول مخلوق خلقه الله - تعالى - لم يكن في وقت " ، ولو كان في وقت لافتقر ذلك الوقت إلى وقت ، إلى غير نهاية ، وهذا محال فقد وضح لك أن الذي ليس بحدث فلا معنى لتقييده بالحدث الذي هو الزمان . ومع هذا فإذا أردت حدوث الجثة ووجودها فهو أيضاً حادث ، فجائز أن تخبر عنه بالزمان إذا كان الزمان يسع مدتها ، مثل ما يقول : " نحن في زمان كذا " ، و " كان الحجاج في زمن ابني أمية " ، وإن جهل المخاطب وجود زمن قيدته بزمان يسعه ، فإن