وَذَلكَ لأَنَّهُ بثبوتِ تدليسِه مرَّةً ، صَارَ ذَلِكَ ظَاهرَ حَالِهِ في مُعَنْعَناتِهِ ، كَمَا أنَّه بثبوتِ اللِّقاءِ ، مَرّةً ، صَارَ ظاهِرَ حَالِهِ السَّمَاعُ .
القِسْمُ الثَّالِثُ : تَدْلِيْسُ التّسويةِ المُعبَّرُ عَنْهُ عِنْدَ القُدماءِ ب ( ( التَّجويدِ ) ) ( 1 ) ، حَيْثُ قَالوا : ( ( جَوَّدَ فُلاَنٌ ) ) يُريدونَ ذَكَرَ مَنْ فِيهِ مِنَ الأجوادِ ، وحَذَفَ الأدنياءِ ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بقولِهِ :
( قلتُ : وشَرُّها ) ( 2 ) أي : أقسامُ التدليسِ ، ( أَخُو ) أي : صاحبُ ( التَّسْوِيَةِ ) ، كأنْ يَرْوِيَ حَدِيثاً عَنْ ضَعِيْفٍ ، بَيْن ثِقَتينِ ، لَقِيَ أحدُهُمَا الآخَرَ ، فيُسْقِطَ الضَّعِيفَ ، ويَرْوِي الحَدِيْثَ عَنْ شَيْخِهِ الثِّقَةِ ( 3 ) الثَّانِي بِلفظٍ مُحتملٍ ؛ فَيسْتوي الإسنادُ كلُّه ثِقاتٌ ( 4 ) .
وإنَّما كَانَ هَذَا شرَّ الأقْسَامِ ؛ لأنَّ الثِّقةَ الأَوَّلَ ، قَدْ لاَ يَكُونُ مَعْرُوفاً بالتَّدْلِيْسِ ، وَيَجِدُهُ الواقفُ عَلَى السّنَدِ بَعْدَ التَّسويةِ قَدْ رَواهُ عَنْ ثِقَةٍ آخرَ ، فيحكمُ لَهُ بالصِّحَّةِ ، وَفيهِ غرورٌ شديدٌ .
وخرجَ باللِّقاءِ : الإرسالُ .
وهذا الذي جَعَلهُ قِسْماً ثالثاً ، جعلَهُ شيخُنا نَوعاً مِنَ الأَوَّلِ ( 5 ) .
فَالتَّدْلِيْسُ قِسْمانِ : تَدليسُ الإسنادِ ، وتدليسُ الشيوخِ ، وعليهِما اقتصرَ ابنُ الصَّلاحِ ( 6 ) ، والنَّوَوِيُّ ( 7 ) .
هامش
= قال الحافظ العراقي : ( ( وممن حكاه عن الشّافعيّ البيهقيّ في المدخل ) ) . شرح التبصرة والتذكرة 1 / 315 ، والرسالة 379 فقرة ( 1033 ) ، وجامع التحصيل : 99 .
قلنا : لكن غير الشّافعيّ من أهل العلم اغتفر التّدليس النادر مع الرّواية الواسعة ، قال ابن رجب في شرح العلل 2 / 582 - 583 : ( ( ولم يعتبر الشّافعيّ أن يتكرر التّدليس من الرّاوي ، ولا أن يغلب على حديثه ، بل اعتبر ثبوت تدليسه ، ولو بمرّة واحدة ، واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التّدليس على حديث الرجل ) ) .
( 1 ) انظر : فتح المغيث 1 / 214 .
( 2 ) في ( م ) : ( ( وشرطها ) ) .
( 3 ) بعد هذا في ( ص ) : ( ( عن الثّقة ) ) .
( 4 ) انظر : فتح المغيث 1 / 214 .
( 5 ) النكت لابن حجر 2 / 616 .
( 6 ) معرفة أنواع علم الحديث : 184 .
( 7 ) التقريب : 63 .