كَقَوْلِهِ : أَلْفٌ إِلَّا شَيْئًا ، فَيُبِيِّنُ جِنْسَ الْأَلْفِ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُفَسِّرُ الشَّيْءَ بِمَا لَا يَسْتَغْرِقُ الْأَلْفَ الَّذِي بَيَّنَهُ .
وَالثَّانِي : كَقَوْلِهِ : عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إِلَّا شَيْئًا ، يُفَسِّرُ الشَّيْءَ بِمَا لَا يَسْتَغْرِقُ الْعَشَرَةَ .
وَالثَّالِثُ : كَقَوْلِهِ : شَيْءٌ إِلَّا دِرْهَمًا ، يُفَسِّرُ الشَّيْءَ بِمَا يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ وَإِنْ قَلَّ . وَكَذَا لَوْ قَالَ : أَلْفٌ إِلَّا دِرْهَمًا ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ الْأَلْفُ دَرَاهِمَ . وَمَهْمَا بَطَلَ التَّفْسِيرُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ ، فَفِي بُطْلَانِ الِاسْتِثْنَاءِ الْوَجْهَانِ .
وَإِنِ اتَّفَقَ لَفْظُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ . كَقَوْلِهِ : شَيْءٌ إِلَّا شَيْئًا ، أَوْ : قَالَ : مَالٌ إِلَّا مَالًا ، حَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : يَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ ، كَقَوْلِهِ : عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً .
وَالثَّانِي : لَا ، لِوُقُوعِهِ [ عَلَى ] الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُ الثَّانِي عَلَى أَقَلِّ مُتَمَوِّلٍ ، وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى أَقَلِّ مُتَمَوِّلٍ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَفِي هَذَا التَّرَدُّدِ غَفْلَةٌ ، لِأَنَّا إِنْ أَلْغَيْنَا الِاسْتِثْنَاءَ ، اكْتَفَيْنَا بِأَقَلِّ مُتَمَوِّلٍ . وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ ، أَلْزَمْنَاهُ أَيْضًا أَقَلَّ مُتَمَوِّلٍ ، فَيَتَّفِقُ الْوَجْهَانِ .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : حَاصِلُ الْجَوَابِ ، لَا يَخْتَلِفُ ، لَكِنْ فِيهِ فَائِدَةٌ ، لِأَنَّا إِنْ أَبْطَلْنَا ، طَالَبْنَاهُ بِتَفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَقَطْ . وَإِنْ صَحَّحْنَا ، طَالَبْنَاهُ بِتَفْسِيرِهِمَا ، وَلَهُ آثَارُ الِامْتِنَاعِ مِنَ التَّفْسِيرِ ، وَكَوْنُ التَّفْسِيرِ الثَّانِي غَيْرَ صَالِحٍ لِلِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
فَرْعٌ
الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْمُعَيَّنِ صَحِيحٌ ، كَقَوْلِهِ : هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ إِلَّا هَذَا الْبَيْتَ ، أَوْ هَذَا الْقَمِيصُ إِلَّا كُمَّهُ ، أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ إِلَّا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ ، أَوْ هَذَا الْقَطِيعُ إِلَّا هَذِهِ الشَّاةَ ، أَوْ هَذَا الْخَاتَمُ إِلَّا هَذَا الْفَصَّ ، وَنَظَائِرُهُ . وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُعْتَادَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُطْلَقِ لَا مِنَ الْمُعَيَّنِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ ، وَعَلَيهِ التَّفْرِيعُ . وَلَوْ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ لِفُلَانٍ إِلَّا وَاحِدًا ، صَحَّ وَرُجِعَ
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 408
مساهمون: النووي
ص٤٠٨