وَكَذَا لَوِ اطَّلَعَ حِينَ دَخَلَ وَقْتُ هَذِهِ الْأُمُورِ فَاشْتَغَلَ بِهَا ، فَلَا بَأْسَ . وَكَذَا لَوْ لَبِسَ ثَوْبًا أَوْ أَغْلَقَ بَابًا . وَلَوِ اطَّلَعَ لَيْلًا ، فَلَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى الصَّبَاحِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ تَرْتِيبًا مُشْكِلًا خِلَافَ الْمَذْهَبِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْمُبَادَرَةِ وَمَا يَكُونُ تَقْصِيرًا وَمَا لَا يَكُونُ ، إِنَّمَا نَبْسُطُهُ فِي كِتَابِ « الشُّفْعَةِ » ، وَنَذْكُرُ هُنَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَالَّذِي فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ : أَنَّ الْبَائِعَ إِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ ، رَدَّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ ، وَكَذَا إِنْ كَانَ وَكِيلُهُ حَاضِرًا ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْمُرَافَعَةِ إِلَى الْقَاضِي . وَلَوْ تَرَكَهُ ، وَرَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي ، فَهُوَ زِيَادَةُ تَوْكِيدٍ . وَحَاصِلُ هَذَا تَخَيْيُرُهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ . وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ رَفَعَ إِلَى الْقَاضِي . قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ : يَدَّعِي شِرَاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، وَأَنَّهُ أَقْبَضَهُ الثَّمَنَ وَظَهَرَ الْعَيْبُ ، وَأَنَّهُ فَسَخَ ، وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فِي وَجْهٍ مُسَخَّرٍ يَنْصِبُهُ الْقَاضِي ، وَيُحَلِّفُهُ الْقَاضِي مَعَ الْبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ مِنْهُ وَيَضَعُهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ ، وَيَبْقَى الثَّمَنُ دَيْنًا عَلَى الْغَائِبِ ، فَيَقْضِيهِ الْقَاضِي مِنْ مَالِهِ . فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ سِوَى الْمَبِيعِ ، بَاعَهُ فِيهِ . وَإِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْخَصْمِ أَوِ الْقَاضِي فِي الْحَالَيْنِ ، لَوْ تَمَكَّنَ مِنَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْفَسْخِ ، هَلْ يَلْزَمُهُ ؟ وَجْهَانِ . قَطَعَ صَاحِبُ « التَّتِمَّةِ » وَغَيْرُهُ ، بِاللُّزُومِ . وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ أَخَّرَ بِعُذْرِ مَرَضٍ ، أَوْ غَيْرِهِ . وَلَوْ عَجَزَ فِي الْحَالِ عَنِ الْإِشْهَادِ ، فَهَلْ عَلَيْهِ التَّلَفُّظُ بِالْفَسْخِ ؟ وَجْهَانِ .
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ ، وَصَاحِبِ « التَّهْذِيبِ » : لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ . وَإِذَا لَقِيَ الْبَائِعَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَضُرَّ . فَلَوِ اشْتَغَلَ بِمُحَادَثَتِهِ ، بَطَلَ حَقُّهُ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 479
مساهمون: النووي
ص٤٧٩