بِأَمْرِهِ . وَقَدْ أَجَابَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَدْءِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَوْجُودِ ، لَا عَنْ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ ، وَقَدْ أَخْبَرَهُمْ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَالَ كَوْنِ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ عَنْ خَلْقِ الْعَرْشِ ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ : « كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ » ، وَقَدْ رُوِيَ ( مَعَهُ ) ، وَرُوِيَ ( غَيْرَهُ ) ، وَالْمَجْلِسُ كَانَ وَاحِدًا ، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَالَ أَحَدَ الْأَلْفَاظِ وَالْآخَرَانِ رُوِيَا بِالْمَعْنَى ، وَلَفْظُ الْقَبْلِ ثبتَ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . فَفِي صحيح مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ » ، الْحَدِيثَ . وَاللَّفْظَانِ الْآخَرَانِ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِنَّمَا يَرْوِيهِ بِلَفْظِ الْقَبْلِ ، كَالْحُمَيْدِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَابْنِ الْأَثِيرِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا اللَّفْظِ تَعَرُّضٌ لِابْتِدَاءِ الْحَوَادِثِ ، وَلَا لِأَوَّلِ مَخْلُوقٍ .
وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ قَالُ : « " كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ " أَوْ " مَعَهُ " أَوْ " غَيْرَهُ " ، " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ » . فَأَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالْوَاوِ ، « وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ » رُوِيَ بِالْوَاوِ وَبِثُمَّ ، فَظَهَرَ أَنَّ مَقْصُودَهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهُمْ بِبَدْءِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَهِيَ الْمَخْلُوقَاتُ الَّتِي خُلِقَتْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، لَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقِهِمَا ، وَذَكَرَ مَا قَبْلَهُمَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَوُجُودِهِ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِابْتِدَاءِ خَلْقِهِ .
وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ قَدْ وَرَدَ بِهَذَا وَهَذَا ، فَلَا يُجْزَمُ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ ، فَإِذَا رَجَحَ أَحَدُهُمَا فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الرَّسُولَ أَرَادَ الْمَعْنَى الْآخَرَ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَرِدْ « كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ »
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 91
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص٩١