الْخَامِسُ : إِثْبَاتُ إِرَادَاتٍ ( 1 ) مُتَعَدِّدَةٍ بِحَسَبِ الْأَفْعَالِ ، وَأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَهُ إِرَادَةٌ تَخُصُّهُ ، هَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ فِي الْفِطَرِ ، فَشَأْنُهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ عَلَى الدَّوَامِ وَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ .
السَّادِسُ : أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ إِرَادَتُهُ جَازَ فِعْلُهُ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ، وَأَنْ يَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، وَأَنْ يُرِيَ عِبَادَهُ نَفْسَهُ ، وَأَنْ يَتَجَلَّى لَهُمْ كَيْفَ شَاءَ ، وَيُخَاطِبَهُمْ ، وَيَضْحَكَ إِلَيْهِمْ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُرِيدُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ . وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ ذَلِكَ عَلَى إخْبَارِ الصَّادِقِ بِهِ ، فَإِذَا أمر ( 2 ) . ، وَكَذَلِكَ ( 3 ) مَحْوُ مَا يَشَاءُ ، وَإِثْبَاتُ مَا يَشَاءُ ، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحَوَادِثَ لَهَا أَوَّلٌ ، يَلْزَمُ مِنْهُ التَّعْطِيلُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ غَيْرَ فَاعِلٍ ثُمَّ صَارَ فَاعِلًا . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ قِدم الْعَالَمِ ، لِأَنَّ كل ما سوى الله محدَث مُمْكِنُ الْوُجُودِ ، مَوْجُودٌ بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ إِلَّا الْعَدَمُ ، وَالْفَقْرُ وَالِاحْتِيَاجُ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَازِمٌ لِكُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى . وَاللَّهُ تَعَالَى وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ ، غَنِيٌّ لِذَاتِهِ ، والغِنى وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَازِمٌ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَلِلنَّاسِ قَوْلَانِ فِي هَذَا الْعَالَمِ : هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَادَّةٍ أَمْ لَا ؟ وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ هَذَا الْعَالَمِ مَا هُوَ ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } ( 4 ) .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : « قَالَ أَهْلُ الْيَمَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ
هامش
( 1 ) في المطبوعة « إرادة » بالإفراد . وهو خطأ .
( 2 ) بياض بالأصل .
( 3 ) في سائر النسخ : ( فإذا أَخْبَرَ وَجَبَ التَّصْدِيقُ ، وَكَذَلِكَ . . ) إلخ . ن .
( 4 ) سورة هُودٍ آية : 7 .