تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
مُجَرَّدًا ، وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى السِّيَاقِ الْمَذْكُورِ ، ولَا يُظَنُّ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِتَعْطِيلِ الرَّبِّ - تَعَالَى - دَائِمًا عَنِ الْفِعْلِ حَتَّى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . وَأَيْضًا : فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « " كَانَ اللَّهُ وَلم يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ " ، أَوْ " مَعَهُ " ، أَوْ " غَيْرَهُ " ، " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ » ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ وَحْدَهُ لَا مَخْلُوقَ مَعَهُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : « وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ » يَرُدُّ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ وَهِيَ : « كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ » إِمَّا حَالِيَّةٌ ، أَوْ مَعْطُوفَةٌ ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَوْجُودٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ . قَوْلُهُ : ( لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ ، وَمَعْنَى الْخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ ) . ش : يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ " الرَّبُّ " قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ مَرْبُوبٌ ، وَمَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ " خَالِقٌ " قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ مَخْلُوقٌ . قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ الشَّارِحِينَ : وَإِنَّمَا قَالَ : " لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَمَعْنَى الْخَالِقِ " دُونَ " الْخَالِقِيَّةِ " ، لِأَنَّ " الْخَالِقَ " هُوَ الْمُخْرِجُ لِلشَّيْءِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ لَا غَيْرُ ، وَ " الرَّبُّ " يَقْتَضِي مَعَانِيَ كَثِيرَةً ، وَهِيَ : الْمُلْكُ وَالْحِفْظُ وَالتَّدْبِيرُ وَالتَّرْبِيَةُ وَهِيَ تَبْلِيغُ الشَّيْءِ كَمَالَهُ بِالتَّدْرِيجِ ، فَلَا جَرَمَ أَتَى بِلَفْظٍ يَشْمَلُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ ، وَهِيَ " الرُّبُوبِيَّةُ " . انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الْخَلْقَ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَمَا أَحْيَا ، اسْتَحَقَّ هَذَا الِاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ ، كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ ) . ش : يَعْنِي : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ " مُحْيِي الْمَوْتَى " قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ ، فَكَذَلِكَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ " خَالِقٌ " قَبْلَ خَلْقِهِمْ ، إِلْزَامًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ ، كَمَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ . وَتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 92 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء