وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا ، مِنَ الْقَائِلِينَ بِحَوَادِثَ لَا آخِرَ لَهَا - فَأَظْهَرُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ حَيًّا ، وَالْفِعْلُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاةِ ، فَلَمْ يَزَلْ فَاعِلًا لِمَا يُرِيدُ ، كَمَا وَصَفَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ ، حَيْثُ يَقُولُ : { ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ } { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } ( 1 ) . وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ سَاقَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَادِمًا لِهَذَا الْكَمَالِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } ( 2 ) وَلما كَانَ مِنْ أَوْصَافِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ ، لَمْ يَكُنْ حَادِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَعَلَهُ ، فَإِنَّ " مَا " مَوْصُولَةٌ عَامَّةٌ ، أَيْ : يَفْعَلُ كُلَّ مَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَهَذَا فِي إِرَادَتِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِفِعْلِهِ . وَأَمَّا إِرَادَتُهُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِفِعْلِ الْعَبْدِ فَتِلْكَ لَهَا شَأْنٌ آخَرُ : فَإِنْ أَرَادَ فِعْلَ الْعَبْدِ وَلَمْ يُرِدْ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُعِينَهُ عَلَيْهِ وَيَجْعَلَهُ فَاعِلًا لَمْ يُوجَدِ الْفِعْلُ ، وَإِنْ أَرَادَهُ حَتَّى يُرِيدَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ فَاعِلًا ( 3 ) وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ الَّتِي خَفِيَتْ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ ، وَخَبَّطُوا فِي مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ ، لِغَفْلَتِهِمْ عَنْهَا ، وَفَرْقٌ بَيْنَ إِرَادَتِهِ أَنْ يَفْعَلَ الْعَبْدُ وَإِرَادَةِ أَنْ يَجْعَلَهُ فَاعِلًا . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الرَّابِعُ : أَنَّ فِعْلَهُ وَإِرَادَتَهُ مُتَلَازِمَانِ ، فَمَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ فَعَلَ ، وَمَا فَعَلَهُ فَقَدْ أَرَادَهُ . بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ " فَإِنَّهُ يُرِيدُ مَا لَا يَفْعَلُ ، وَقَدْ يَفْعَلُ مَا لَا يُرِيدُهُ . فَمَا ثَمَّ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ .
هامش
( 1 ) سورة الْبُرُوجِ الآيتان : 15 - 16 .
( 2 ) سورة النَّحْلِ آية : 17 .
( 3 ) في الكلام هنا نقص ظاهر . ولعل أصله : « وَإِنْ أَرَادَهُ حَتَّى يُرِيدَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ ( يعينه عليه و ) يجعله فاعلا ، ( وجد الفعل ) » .