قَوْلُهُ : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَكُلُّ شَىْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ ، وَكُلُّ أَمْرٍ إليه يَسِيرٌ ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
ش : ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى ثُبُوتِ صِفَاتِهِ فِي الْأَزَلِ قَبْلَ خَلْقِهِ . وَالْكَلَامُ عَلَى ( كُلٍّ ) وَشُمُولِهَا وَشُمُولِ " كُلٍّ " فِي كُلِّ مَقَامٍ بِحَسَبِ مَا يَحْتَفُّ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ ، يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ حَرَّفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمَعْنَى الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ( 1 ) .
فَقَالُوا : إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ ، وَأَمَّا نَفْسُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ ! وَتَنَازَعُوا : هَلْ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهَا أَمْ لَا ؟ ! وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى مَا قَالُوا لَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ : هُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَعْلَمُهُ ! وَخَالِقٌ لِكُلِّ مَا يَخْلُقُهُ !
وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ فِيهَا . فَسَلَبُوا صِفَةَ كَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ فَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِي هَذَا . وَأَمَّا الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ، مِثْلَ كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، فَهَذِهِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ ، وَلَا يُسَمَّى شَيْئًا ، بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ : خَلْقُ مِثْلِ نَفْسِهِ ، وَإِعْدَامُ نَفْسِهِ ! وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَالِ .
وَهَذَا الْأَصْلُ هُوَ الْإِيمَانُ بِرُبُوبِيَّتِهِ الْعَامَّةِ التَّامَّةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مَنْ آمَنَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا يُؤْمِنُ بِتَمَامِ رُبُوبِيَّتِهِ وَكَمَالِهَا إِلَّا مَنْ آمَنَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ : هَلْ هُوَ شَيْءٌ أَمْ لَا ؟ وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الْخَارِجِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
هامش
( 1 ) سورة آل عمران آية : 29 .