تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، أَمَّا كَوْنُ الرَّبِّ - تَعَالَى - لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلًا عَنِ الْفِعْلِ ثُمَّ فَعَلَ ، فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يُثْبِتُهُ ، بَلْ كِلَاهُمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ . وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو الْمَعَالِي فِي إِرْشَادِهِ وَغَيْرُهُ مِنَ النُّظَّارِ عَلَى التَّسَلْسُلِ فِي الْمَاضِي ، فَقَالُوا : إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ : لَا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا إِلَّا أُعْطِيكَ بَعْدَهُ دِرْهَمًا ، كَانَ هَذَا مُمْكِنًا ، وَلَوْ قُلْتَ : لَا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا حَتَّى أُعْطِيَكَ قَبْلَهُ دِرْهَمًا ، كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا . وَهَذَا التَّمْثِيلُ وَالْمُوَازَنَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ، بَلِ الْمُوَازَنَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ تَقُولَ : مَا أَعْطَيْتُكَ دِرْهَمًا إِلَّا أَعْطَيْتُكَ قَبْلَهُ دِرْهَمًا ، فَتَجْعَلُ مَاضِيًا قَبْلَ مَاضٍ ، كَمَا جَعَلْتَ هُنَاكَ مُسْتَقْبَلًا بَعْدَ مُسْتَقْبَلٍ . وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : لَا أُعْطِيكَ حَتَّى أُعْطِيَكَ قَبْلَهُ ، فَهُوَ نَفْيٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى يَحْصُلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَكُونُ قَبْلَهُ ( 1 ) . فَقَدْ نَفَى الْمُسْتَقْبَلَ حَتَّى يُوجَدَ الْمُسْتَقْبَلُ ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ . أَمَّا نَفْيُ ( 2 ) الْمَاضِي حَتَّى يَكُونَ قَبْلَهُ مَاضٍ ، فَإِنَّ هَذَا مُمْكِنٌ . وَالْعَطَاءُ الْمُسْتَقْبَلُ إيْتَاؤُهُ مِنَ الْمُعْطِي والْمُسْتَقْبل الَّذِي لَهُ ابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ لَا يَكُونُ قَبْلَهُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ ، فَإِنَّ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِيمَا يَتَنَاهَى مُمْتَنِعٌ . قَوْلُهُ : ( لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ " الْخَالِق " ، وَلَا بِإِحْدَاثِهِ الْبَرِيَّةَ اسْتَفَادَ اسْمَ " الْبَارِي " ) . ش : ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَمْنَعُ تَسَلْسُلَ الْحَوَادِثِ فِي الْمَاضِي ، وَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : " وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ " ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَلَا شَكَّ فِي فَسَادِ قَوْلِ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجَهْمُ وَأَتْبَاعُهُ ، وَقَالَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، لِمَا يَأْتِي مِنَ الْأَدِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
هامش
( 1 ) في المطبوعة « قبلي » . وهو خطأ . ( 2 ) في المطبوعة « لم ينف » بدل « أما نفي » وهو خطأ ، لا يصلح في سياق الكلام .