تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
الْمُؤَثِّرِينَ مُحَالٌ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اسْتَفَادَ تَأْثِيرَهُ مِمَّا قَبْلَهُ لَا إِلَى غَايَةٍ . وَالتَّسَلْسُلُ الْوَاجِبُ : مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ ، مِنْ دَوَامِ أَفْعَالِ الرَّبِّ - تَعَالَى - فِي الْأَبَدِ ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا انْقَضَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ نَعِيمٌ أَحْدَثَ لَهُمْ نَعِيمًا آخَرَ لَا نَفَادَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ التَّسَلْسُلُ فِي أَفْعَالِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ طَرَفِ الْأَزَلِ ، وَأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مَسْبُوقٌ بِفِعْلٍ آخَرَ ، فَهَذَا وَاجِبٌ فِي كَلَامِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ ، وَلَمْ تَحْدُثْ لَهُ صِفَةُ الْكَلَامِ فِي وَقْتٍ ، وَهَكَذَا أَفْعَالُهُ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ حَيَاتِهِ ، فَإِنَّ كُلَّ حَيٍّ فَعَّالٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ : الْفِعْلُ ، وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : الْحَيُّ الْفَعَّالُ ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ : كُلُّ حَيٍّ فَعَّالٌ ، وَلَمْ يَكُنْ رَبُّنَا - تَعَالَى - قَطُّ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مُعَطَّلًا عَنْ كَمَالِهِ ، مِنَ الْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَالْفِعْلِ . وَأَمَّا التَّسَلْسُلُ الْمُمْكِنُ : فَالتَّسَلْسُلُ فِي مَفْعُولَاتِهِ مِنْ هَذَا الطَّرَفِ ، كَمَا تَتَسَلْسَلُ فِي طَرَفِ الْأَبَدِ ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَزَلْ حَيًّا قَادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا ، وَذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ فَالْفِعْلُ مُمْكِنٌ لَهُ بِمُوجِبِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ ، وَأَنْ يَفْعَلَ أَكْمَلُ مِنْ أَنْ لَا يَفْعَلَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ مَعَهُ ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ تَقَدُّمًا لَا أَوَّلَ لَهُ ، فَلِكُلِّ مَخْلُوقٍ أَوَّلُ ، وَالْخَالِقُ - سُبْحَانَهُ - لَا أَوَّلَ لَهُ ، فَهُوَ وَحْدَهُ الْخَالِقُ ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ . قَالُوا : وَكُلُّ قَوْلٍ سِوَى هَذَا فَصَرِيحُ الْعَقْلِ يَرُدُّهُ وَيَقْضِي بِبُطْلَانِهِ ، وَكُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ لَزِمَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُمَا : إِمَّا أَنْ يَقُولَ بِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَزَلْ مُمْكِنًا ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ لَمْ يَزَلْ وَاقِعًا ، وَإِلَّا تَنَاقَضَ تَنَاقُضًا بَيِّنًا ، حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ ، وَالْفِعْلُ مُحَالٌ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ ، لَوْ أَرَادَهُ لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُهُ ، بَلْ فَرْضُ إِرَادَتِهِ عِنْدَهُ مُحَالٌ وَهُوَ مَقْدُورٌ لَهُ . وَهَذَا قَوْلٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَالْمَقْصُودُ : أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ ، أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 86 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء