تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
بِيَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ » . أَيْ : فَإِنَّكَ لَا تَخْلُقُ شَرًّا مَحْضًا ، بَلْ كُلُّ مَا تَخْلُقُه فَفِيهِ حِكْمَة ، هُوَ بِاعْتِبَارِهَا خَيْرٌ ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ فِيهِ شَرٌّ لِبَعْضِ النَّاسِ ، فَهَذَا شَرٌّ جُزْئِي إِضَافِي ، فَأَمَّا شَرٌّ كُلِّي ، أَوْ شَرٌّ مُطْلَقٌ - فَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّه عَنْهُ . وَهَذَا هُوَ الشَّرُّ الَّذِي لَيْسَ إِلَيْهِ . وَلِهَذَا لَا يُضَافُ الشَّرُّ إِلَيْهِ مُفْرَدًا قَطُّ ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي عُمُومِ الْمَخْلُوقَاتِ ، كَقَوْلِه تَعَالَى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ( 1 ) { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ( 2 ) ، وَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إِلَى السَّبَبِ ، كَقَوْلِه : { مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } ( 3 ) وَإِمَّا أَنْ يُحْذَفَ فَاعِلُه ، كَقَوْلِ الْجِنِّ : { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } ( 4 ) . وَلَيْسَ إِذَا خَلَقَ مَا يَتَأَذَّى بِهِ بَعْضُ الْحَيَوَانِ لَا يَكُونُ فِيهِ حِكْمَة ، بَلْ لِلَّهِ مِنَ الرَّحْمَة وَالْحِكْمَة مَا لَا يُقَدِّرُ قَدْرَه إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَيْسَ إِذَا وَقَعَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا هُوَ شَرٌّ جُزْئِي بِالْإِضَافَة - يَكُونُ شَرًّا كُلِّيًّا عَامًّا ، بَلِ الْأُمُورُ الْعَامَّة الْكُلِّيَّة لَا تَكُونُ إِلَّا خَيْرًا أَوْ مَصْلَحَة لِلْعِبَادِ ، كَالْمَطَرِ الْعَامِّ ، وَكَإِرْسَالِه رَسُولا عَامٍّا . وَهَذَا مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَيِّدَ كَذَّابًا عَلَيْهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ بِهَا الصَّادِقِينَ ، فَإِنَّ هَذَا شَرٌّ عَامٌّ لِلنَّاسِ ، يُضِلُّهُمْ ، فَيُفْسِدُ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ . وَلَيْسَ هَذَا كَالْمَلِكِ الظَّالِمِ وَالْعَدُوِّ ، فَإِنَّ الْمَلِكَ الظَّالِمَ لَا بُدَّ أَنْ يَدْفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّرِّ أَكْثَرَ مِنْ ظُلْمِه ، وَقَدْ قِيلَ : سِتُّونَ سَنَةً بِإِمَامٍ ظَالِمٍ خَيْرٌ مِنْ لَيْلَة وَاحِدَة بِلَا إِمَامٍ ، وَإِذَا قُدِّرَ كَثْرَة ظُلْمِه ، فَذَاكَ خَيْرٌ فِي الدِّينِ ، كَالْمَصَائِبِ ، تَكُونُ كَفَّارَة لِذُنُوبِهِمْ ، وَيُثَابُونَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ ، وَيَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، وَيَسْتَغْفِرُونَه وَيَتُوبُونَ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ مَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَدُوان . وَلِهَذَا قَدْ يُمَكِّنُ اللَّهُ كَثِيرًا مِنَ الْمُلُوكِ الظَّالِمِينَ مُدَّة ، وَأَمَّا الْمُتَنَبِّئُونَ الْكَذَّابُونَ فَلَا يُطِيلُ تَمْكِينَهُمْ ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ
هامش
( 1 ) سورة الزُّمَرِ آية 62 ( 2 ) سورة النِّسَاءِ آية 78 ( 3 ) سورة الْفَلَقِ آية 2 ( 4 ) سورة الْجِنِّ آية 10