تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
{ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } ( 1 ) . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ قَرَأَ : { وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ . وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَة هُنَا النِّعْمَة ، وَبِالسَّيِّئَة الْبَلِيَّة ، فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ . وَقَدْ قِيلَ : الْحَسَنَة الطَّاعَة ، وَالسَّيِّئَة الْمَعْصِيَة . [ وَ ] قِيلَ : الْحَسَنَة مَا أَصَابَه يَوْمَ بَدْرٍ ، وَالسَّيِّئَة مَا أَصَابَه يَوْمَ أُحُدٍ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ شَامِلٌ لِمَعْنَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ . وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَيْسَ مُرَادًا دُونَ الْأَوَّلِ قَطْعًا ، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاة بَيْنَ أَنْ تَكُونَ سَيِّئَة الْعَمَلِ وَسَيِّئَة الْجَزَاءِ مِنْ نَفْسِه ، مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ مُقَدَّرٌ ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَة الثَّانِيَة قَدْ تَكُونُ عُقُوبَة الْأُولَى ، فَتَكُونُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْجَزَاءِ ، مَعَ أَنَّهَا مِنْ سَيِّئَاتِ الْعَمَلِ ، وَالْحَسَنَة الثَّانِيَة قَدْ تَكُونُ مِنْ ثَوَابِ الْأُولَى ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ . وَلَيْسَ لِلْقَدَرِيَّة أَنْ يَحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمِنْ نَفْسِكَ } ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنْ فَعَلَ الْعَبْدُ - حَسَنَة كَانَ أَوْ سَيِّئَة - فَهُوَ مِنْهُ لَا مِنَ اللَّهِ ! وَالْقُرْآنُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ ، وَلِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ، فَجَعَلَ الْحَسَنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كَمَا جَعَلَ السَّيِّئَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ ، بَلْ فِي الْجَزَاءِ . وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا : { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } و { مِنْ سَيِّئَةٍ } ، مِثْلُ قوله : { وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } و { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } . وَفَرَّقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي هِيَ النِّعَمُ ، وَبَيْنَ السَّيِّئَاتِ الَّتِي هِيَ الْمَصَائِبُ ، فَجَعَلَ هَذِهِ مِنَ اللَّهِ ، وَهَذِهِ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَة مُضَافَة إِلَى اللَّهِ ، إِذْ هُوَ أَحْسَنَ بِهَا مِنْ كُلِّ وَجْه ، فَمَا مِنْ وَجْه مِنْ أَوْجُهِهَا إِلَّا وَهُوَ يَقْتَضِي الْإِضَافَة إِلَيْهِ ، وَأَمَّا السَّيِّئَة ، فَهُوَ إِنَّمَا يَخْلُقُهَا لِحِكْمَة ، وَهِيَ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْحِكْمَة مِنْ إِحْسَانِه ، فَإِنَّ الرَّبَّ لَا يَفْعَلُ سَيِّئَة قَطُّ ، بَلْ فِعْلُه كُلُّهُ حَسَنٌ وَخَيْرٌ . وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ في الِاسْتِفْتَاحِ : « وَالْخَيْرُ كله
هامش
( 1 ) سورة الشُّورَى آية 30