تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
شَرْعًا وَأَمْرًا وَنَهْيًا ، [ وَهو أنَّ ] ( 1 ) الْعِبَادَ وَإِنْ كَانُوا يُعْطَوْنَ جَدًّا : مُلْكًا وَعَظَمَة وَبَخْتًا وَرِيَاسَة ، فِي الظَّاهِرِ ، أَوْ فِي الْبَاطِنِ ، كَأَصْحَابِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْخَارِقَة - فَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ، أَيْ لَا يُنْجِيه وَلَا يُخَلِّصُه ، وَلِهَذَا قَالَ : لَا يَنْفَعُه مِنْكَ ، وَلَمْ يَقُلْ وَلَا يَنْفَعُه عِنْدَكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ ذَلِكَ أَوْهَمَ أَنَّهُ لَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ ، لَكِنْ قَدْ لَا يَضُرُّه . فَتَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ تَحْقِيقَ التَّوْحِيدِ ، أو تَحْقِيقَ قَوْلِهِ : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِالْمَطْلُوبِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَشِيئَة اللَّهِ وَتَيْسِيرِه - لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يُرْجَى إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا يُسْأَلُ إِلَّا هُوَ ، وَلَا يُسْتَغَاثُ إِلَّا بِهِ ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا هُوَ ، فَلَهُ الْحَمْدُ ، وَإِلَيْهِ الْمُشْتَكَى ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ ، وَبِهِ الْمُسْتَغَاثُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بالله . فَكَيْفَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَسْبَابِ مُسْتَقِلًّا بِمَطْلُوبٍ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ انْضِمَامِ أَسْبَابٍ أُخَرَ إِلَيْهِ ، وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ صَرْفِ الْمَوَانِعِ وَالْمُعَارِضَاتِ عَنْهُ ، حَتَّى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ ، فَكُلُّ سَبَبٍ فَلَهُ شَرِيكٌ ، وَلَهُ ضِدٌّ ، فَإِنْ لَمْ يُعَاوِنْه شَرِيكُه ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ ضِدُّه - لَمْ تَحْصُلْ مَشِيئَة . وَالْمَطَرُ وَحْدَه لَا يُنْبِتُ النَّبَاتَ إِلَّا بِمَا يَنْضَمُّ إِلَيْهِ مِنَ الْهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ الزَّرْعُ لَا يَتِمُّ حَتَّى تُصْرَفَ عَنْهُ الْآفَاتُ الْمُفْسِدَة لَهُ ، وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لَا يُغَذِّي إِلَّا بِمَا جُعِلَ فِي الْبَدَنِ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ إِنْ لَمْ تُصْرَفْ عَنْهُ الْمُفَسِدَاتُ . وَالْمَخْلُوقُ الَّذِي يُعْطِيكَ أَوْ يَنْصُرُكَ ، فَهُوَ - مَعَ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ فِيهِ الْإِرَادَة وَالْقُوَّة وَالْفِعْلَ - : فَلَا يَتِمُّ مَا يَفْعَلُه إِلَّا بِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ ، خَارِجَة عَنْ قُدْرَتِه ، تُعَاوِنُه عَلَى مَطْلُوبِه ، وَلَوْ كَانَ مَلِكًا مُطَاعًا ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُصْرَفَ عَنِ الْأَسْبَابِ
هامش
( 1 ) في الأصل : ( وإن . . ) ولعل الصواب ما أثبتناه ، كما في أكثر النسخ . ن