لَا نُرِيدُ فِعْلَه تَهَاوُنًا وَكَسَلًا مِثْلُ مَا نُرِيدُه أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ أَوْ دُونَه ، وَمَا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِمَّا نُرِيدُه كَذَلِكَ ، وَمَا نَعْرِفُ جُمْلَتَه وَلَا نَهْتَدِي لِتَفَاصِيلِه فَأَمْرٌ يَفُوتُ الْحَصْرَ . وَنَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْهِدَايَة التَّامَّة ، فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الْأُمُورُ كَانَ سُؤَالُه سُؤَالَ تَثْبِيتٍ ، وَهِيَ آخِرُ الرُّتَبِ .
وَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ هِدَايَة أُخْرَى ، وَهِيَ الْهِدَايَة إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّة فِي الْآخِرَة . وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ مَأْمُورِينَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ، لِفَرْطِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ ، فَلَيْسُوا إِلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى هَذَا الدُّعَاءِ . فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ بِفَضْلِ رَحْمَتِه جَعَلَ هَذَا الدُّعَاءَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَة لِلْخَيْرِ ، الْمَانِعَة مِنَ الشَّرِّ ، فَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ أَنَّ السَّيِّئَاتِ مِنَ النَّفْسِ ، وَإِنْ كَانَتْ بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَأَنَّ الْحَسَنَاتِ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُشْكَرَ سُبْحَانَهُ ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَه الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوبِه ، وَأَن لا يَتَوَكَّلَ إِلَّا عَلَيْهِ وَحْدَه ، فَلَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ . فَأَوْجَبَ ذَلِكَ تَوْحِيدَه ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَحْدَه ، وَالشُّكْرَ لَهُ وَحْدَه ، وَالِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذُّنُوبِ .
وَهَذِهِ الْأُمُورُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُهَا فِي الصَّلَاةِ ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَه مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ : « رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ » . فَهَذَا حَمْدٌ ، وَهُوَ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَبَيَانُ أَنَّ حَمْدَه أَحَقُّ مَا قَالَهُ الْعَبْدُ ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ : « لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ » .
وَهَذَا تَحْقِيقٌ لِوَحْدَانِيَّتِه ، لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّة ، خَلْقًا وَقَدَرًا ، وَبِدَايَة وَنِهَايَة ، هُوَ الْمُعْطِي الْمَانِعُ ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى ، وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعَ ، [ وَلِتَوْحِيدِ ] ( 1 ) الْإِلَهِيَّة ،
هامش
( 1 ) في الأصل : ( وتوحيده ) . والصواب ما أثبتناه ، كما في سائر النسخ . ن