وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ - : كَانَ الْمُرَادُ مِنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ الْمُرَادِ مِنَ الْآخَرِ . وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « الْإِسْلَامُ عَلَانِيَة ، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ » . وَإِذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا شَمِلَ مَعْنَى الْآخَرِ وَحُكْمَه ، وَكَمَا فِي الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَنَظَائِرِه ، فَإِنَّ لَفْظَي الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ إِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا ، وإذا افترقا اجتمعا ، فَهَلْ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } ( 1 ) - أَنَّهُ يُعْطَى الْمُقِلُّ دُونَ الْمُعْدِمِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ؟ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } ( 2 ) .
وَيَنْدَفِعُ أَيْضًا تَشْنِيعُ مَنْ قَالَ : مَا حُكْمُ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُسْلِمْ ؟ أَوْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُؤْمِنْ ؟ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ؟ فَمَنْ أَثْبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمًا لَيْسَ بِثَابِتٍ لِلْآخَرِ ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِهِ ! .
وَيُقَالُ لَهُ فِي مُقَابَلَة تَشْنِيعِه : أَنْتَ تَقُولُ : الْمُسْلِمُ هُوَ الْمُؤْمِنُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } ( 3 ) ، فَجَعَلَهُمَا غَيْرَيْنِ ، وَقَدْ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ وَاللَّهِ إِنِّي لِأَرَاه مُؤْمِنًا ؟ قَالَ : « أَوْ مُسْلِمًا » ، قَالَهَا ثَلَاثًا ، فَأَثْبَتَ له [ اسم ] ( 4 ) الْإِسْلَامَ وَتَوَقَّفَ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ ، فَمَنْ قَالَ : هُمَا سَوَاءٌ - كَانَ مُخَالِفًا ، وَالْوَاجِبُ رَدُّ مَوَارِدِ النِّزَاعِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَقَدْ يَتَرَاءَى فِي بَعْضِ النُّصُوصِ مُعَارَضَة ، وَلَا مُعَارَضَة بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَكِنَّ الشَّأْنَ فِي التَّوْفِيقِ ، وَبِاللَّه التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } ( 5 ) - عَلَى تَرَادُفِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ ، فَلَا حُجَّة فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ الْمُخْرَجَ كَانُوا مَتصُفِينَ ( 6 ) بِالْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاتِّصَافِ بِهِمَا تَرَادُفُهُمَا .
هامش
( 1 ) سورة الْمَائِدَة آية 89
( 2 ) سورة الْبَقَرَة آية 271
( 3 ) سورة الْأَحْزَابِ آية 35
( 4 ) ليست في الأصل . وأثبتناها ، من النسخ الأخرى . ن
( 5 ) سورة الذَّارِيَاتِ الآيتان 35 ، 36
( 6 ) في المطبوعة « كانوا مؤمنين » . وهو تحريف واضح ، يأباه سياق الكلام