وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُعَارَضَاتِ لَمْ تَثْبُتْ عَنْ أبي حنيفة رحمه الله ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْأَصْحَابِ ، فَإِنَّ غَالِبَهَا سَاقِطٌ لَا يَرْتَضِيه أَبُو حَنِيفَةَ ! وَقَدْ حَكَى الطَّحَاوِي حِكَايَة أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ لَمَّا رَوَى لَهُ حَدِيثَ : " أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ " إِلَى آخِرِه ، قَالَ لَهُ : أَلَا تَرَاه يَقُولُ : ( أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ، قَالَ : " الْإِيمَانُ " ) ، ثُمَّ جَعَلَ الْهِجْرَة وَالْجِهَادَ مِنَ الْإِيمَانِ ؟ فَسَكَتَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِه : أَلَا تُجِيبَه يَا أَبَا حَنِيفَةَ ؟ قَالَ : بِمَا أُجِيبُه ؟ وَهُوَ يُحَدِّثُنِي بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمِنْ ثَمَرَاتِ هَذَا الِاخْتِلَافِ : مَسْأَلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ ، أي الرَّجُلَ : أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَالٍ : طَرَفَانِ وَوَسَطٌ ، مِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُه ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَرِّمُه ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُه بِاعْتِبَارٍ وَيَمْنَعُه بِاعْتِبَارٍ ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ .
أَمَّا مَنْ يُوجِبُه فَلَهُمْ مَأْخَذَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مَا مَاتَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ ، وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا بِاعْتِبَارِ الْمُوَافَاة وَمَا سَبَقَ في عِلْمِه أَنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا عِبْرَة بِهِ ، قَالُوا : وَالْإِيمَانُ الَّذِي يَتَعَقَّبُه الْكُفْرُ فَيَمُوتُ صَاحِبُه كَافِرًا - : لَيْسَ بِإِيمَانٍ ( 1 ) ، كَالصَّلَاة الَّتِي أَفْسَدَهَا صَاحِبُهَا قَبْلَ الْكَمَالِ ، وَالصِّيَامِ الَّذِي يُفْطِرُ صَاحِبُه قَبْلَ الْغُرُوبِ ، وَهَذَا مَأْخَذُ كَثِيرٍ مِنَ الْكُلَّابِيَّة وَغَيْرِهِمْ ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فِي الْأَزَلِ مَنْ كَانَ كَافِرًا إِذَا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ، فَالصَّحَابَة مَا زَالُوا مَحْبُوبِينَ قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ ، وَإِبْلِيسُ وَمَنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِه مَا زَالَ اللَّهُ يُبْغِضُه وَإِنْ كَانَ لَمْ يَكْفُرْ بَعْدُ ! وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ السَّلَفِ ، وَلَا كَانَ يُعَلِّلُ بِهَذَا مَنْ يَسْتَثْنِي مِنَ السَّلَفِ فِي إِيمَانِه ، وَهُوَ فَاسِدٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ( 2 ) ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُحِبُّهُمْ إِنِ اتَّبَعُوا الرَّسُولَ ، فَاتِّبَاعُ الرَّسُولِ شَرْطُ الْمَحَبَّة ،
هامش
( 1 ) في المطبوعة « أي ليس بإيمان » . وزيادة « أي » - خطأ واضح ، يضطرب بها المعنى
( 2 ) سورة آلِ عمْرَانَ آية 31