وَالْمَشْرُوطُ يَتَأَخَّرُ عَنِ الشَّرْطِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّة . ثُمَّ صَارَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ طَائِفَة غَلَوْا فِيهِ ، حَتَّى صَارَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَسْتَثْنِي فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَة ، يَقُولُ : صَلَّيْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ! وَنَحْوَ ذَلِكَ ، يَعْنِي الْقَبُولَ . ثُمَّ صَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَسْتَثْنُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ : هَذَا ثَوْبٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ! هَذَا حَبْلٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ! فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ : هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ ؟ يَقُولُونَ : نَعَمْ ، لَكِنْ إِذَا شَاءَ اللَّهُ أِنْ يُغَيِّرَه غَيَّرَهُ ! ! .
الْمَأْخَذُ الثَّانِي : أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ يَتَضَمَّنُ فِعْلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عَبَدَه كُلِّهِ ، وَتَرْكَ مَا نَهَاه عَنْهُ كُلِّهِ ، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ : أَنَا مُؤْمِنٌ ، بِهَذَا الِاعْتِبَارِ - : فَقَدْ شَهِدَ لِنَفْسِه أَنَّهُ مِنَ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ ، الْقَائِمِينَ بِجَمِيعِ مَا أُمِرُوا بِهِ ، وَتَرْكِ كُلِّ مَا نُهُوا عَنْهُ ، فَيَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ ! وَهَذَا مَعَ تَزْكِيَة الْإِنْسَانِ لِنَفْسِه ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّهَادَة صَحِيحَة ، لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِه بِالْجَنَّة إِنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ .
وَهَذَا مَأْخَذُ عَامَّة السَّلَفِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْتَثْنُونَ ، وَإِنْ جَوَّزُوا تَرْكَ الِاسْتِثْنَاءِ ، بِمَعْنًى آخَرَ ، كَمَا سَنَذْكُرُه إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَيَحْتَجُّونَ أَيْضًا بِجَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ فِيمَا لَا شَكَّ فِيهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } ( 1 ) . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَقَفَ عَلَى الْمَقَابِرِ : « وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ » . وَقَالَ أَيْضًا : « إِنِّي لِأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ » . وَنَظَائِرُ هَذَا .
وَأَمَّا مَنْ يُحَرِّمُه ، فَكُلُّ مَنْ جَعَلَ الْإِيمَانَ شَيْئًا وَاحِدًا ، فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي مُؤْمِنٌ ، كَمَا أَعْلَمُ أَنِّي تَكَلَّمْتُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، فَقَوْلِي : أَنَا مُؤْمِنٌ ، كَقَوْلِي : أَنَا مُسْلِمٌ ، فَمَنِ اسْتَثْنَى فِي إِيمَانِه فَهُوَ شَاكٌّ فِيهِ ، وَسَمَّوُا الَّذِينَ يَسْتَثْنُونَ فِي إِيمَانِهِمُ الشَّكَّاكَة . وَأَجَابُوا عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ }
هامش
( 1 ) سورة الْفَتْحِ آية 27