وَقَوْلُهُ : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } ( 1 ) ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ هُوَ مَوْضِعُ الْإِيمَانِ ، لَا اللِّسَانَ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ لَزَالَ كُلُّهُ بِزَوَالِ جُزْئِه ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ قَدْ عُطِفَ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَة ، قَالَ تَعَالَى : { آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ( 2 ) ، فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ .
وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَة عِبَارَة عَنِ التَّصْدِيقِ - بِمَنْعِ التَّرَادُفِ بَيْنَ التَّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ ، فَهَبْ أَنَّ الْأَمْرَ يَصِحُّ فِي مَوْضِعٍ ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ يُوجِبُ التَّرَادُفَ مُطْلَقًا ؟ وَكَذَلِكَ اعْتُرِضَ عَلَى دَعْوَى التَّرَادُفِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّرَادُفِ : أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمُخْبَرِ إِذَا صَدَّقَ : صَدَّقَه ، وَلَا يُقَالُ ( 3 ) : آمَنَه ، وَلَا آمَنَ بِهِ ، بَلْ يُقَالُ : آمَنَ لَهُ ، كَمَا قَالَ تعالى : { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } ( 4 ) . { فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ } ( 5 ) . وَقَالَ تعالى : { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ( 6 ) ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُعَدَّى بِالْبَاءِ وَالْمُعَدَّى بِاللَّامِ ، فَالْأَوَّلُ يُقَالُ لِلْمُخْبَرِ بِهِ . وَالثَّانِي لِلْمُخْبِرِ . وَلَا يَرِدُ كَوْنُه يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : مَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا ، لِأَنَّ دُخُولَ اللَّامِ لِتَقْوِيَة الْعَامِلِ ، كَمَا إِذَا تَقَدَّمَ الْمَعْمُولُ ، أَوْ كَانَ الْعَامِلُ اسْمَ فَاعِلٍ ، أَوْ مَصْدَرًا ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِه .
فَالْحَاصِلُ أنه لَا يُقَالُ : قَدْ آمَنْتُه ، وَلَا صَدَّقْتُ لَهُ ، إِنَّمَا يُقَالُ . آمَنْتُ لَهُ ، كَمَا يُقَالُ : أَقْرَرْتُ لَهُ . فَكَانَ تَفْسِيرُه بِ - " أَقْرَرْتُ " أَقْرَبَ مِنْ تَفْسِيرِه بِ - " صَدَّقْتُ " مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ في المعنى ، فَإِنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ عَنْ شَاهَد أَوْ غَيْبٍ ، يُقَالُ لَهُ فِي اللُّغَة : صَدَقْتَ ، كَمَا يُقَالُ لَهُ : كَذَبْتَ . فَمَنْ قَالَ : السَّمَاءُ فَوْقَنَا ، قِيلَ لَهُ صَدَقْتَ .
وَأَمَّا لَفْظُ " الْإِيمَانِ " فَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ :
هامش
( 1 ) سورة النَّحْلِ آية 106
( 2 ) سورة البقرة آية 25
( 3 ) في المطبوعة « ومنه لا يقال » ! وزيادة « منه » لا معنى لها ، بل تفسد الكلام
( 4 ) سورة الْعَنْكَبُوتِ آية 26
( 5 ) سورة يُونُسَ آية 83
( 6 ) سورة التَّوْبَة آية 61