إِنَّ اللَّفْظَ بَاقٍ عَلَى مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة ، وَلَكِنَّ الشَّارِعَ زَادَ فِيهِ أَحْكَامًا ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ اسْتَعْمَلَه فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِي ، فَهُوَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة ، مَجَازٌ لُغَوِي ، أَوْ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَقَلَه الشَّارِعُ . وهذه الأَقْوَالٌ لِمَنْ سَلَكَ هَذِا الطَّرِيقَ .
وَقَالُوا : إِنَّ الرَّسُولَ قَدْ [ وَقَفَنَا ] ( 1 ) عَلَى مَعَانِي الْإِيمَانِ ، وَعَلِمْنَا مِنْ مُرَادِه عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّ مَنْ قالَ إِنَّهُ صَدَّقَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِه بِالْإِيمَانِ ، مَعَ قُدْرَتِه عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا صَلَّى ، وَلَا صَامَ . وَلَا أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَلَا خَافَ اللَّهَ ، بَلْ كَانَ مُبْغِضًا لِلرَّسُولِ ، مُعَادِيًا لَهُ يُقَاتِلُه - أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ .
كَمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ رَتَّبَ الْفَوْزَ وَالْفَلَاحَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْإِخْلَاصِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُمَا . فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ : « الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَة ، أعلاها قَوْلُ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَة الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ » . وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « الْحَيَاءُ شُعْبَة مِنَ الْإِيمَانِ » . وَقَالَ أيضا صلى الله عليه وَسَلَّمَ : « أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا » . وَقَالَ أَيْضًا صلى الله عليه وَسَلَّمَ : « الْبَذَاذَة مِنَ الْإِيمَانِ » .
فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ أَصْلًا لَهُ شُعَبٌ مُتَعَدِّدَة ، وَكُلُّ شُعْبَة مِنْهَا تُسَمَّى : إِيمَانًا ، فَالصَّلَاة مِنَ الْإِيمَانِ ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاة وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْأَعْمَالُ الْبَاطِنَة ، كَالْحَيَاءِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْخَشْيَة مِنَ اللَّهِ وَالْإِنَابَة إِلَيْهِ ، حَتَّى تَنْتَهِي هَذِهِ الشُّعَبُ إِلَى إِمَاطَة الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، فَإِنَّهُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ . وَهَذِهِ الشُّعَبُ ، مِنْهَا مَا يَزُولُ الْإِيمَانُ بِزَوَالِهَا إِجْمَاعًا ، كَشُعْبَة الشَّهَادَتين ، وَمِنْهَا مَا لَا يَزُولُ بِزَوَالِهَا إجماعا ، كَتَرْكِ إِمَاطَة الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَبَيْنَهُمَا شُعَبٌ مُتَفَاوِتَة تَفَاوُتًا عَظِيمًا ، مِنْهَا مَا يَقْرُبُ مِنْ شُعْبَة الشَّهَادَة ، وَمِنْهَا مَا يَقْرُبُ مِنْ شُعْبَة إِمَاطَة الْأَذَى ، وَكَمَا أَنَّ شُعَبَ الْإِيمَانِ إِيمَانٌ ، فَكَذَا شُعَبُ الْكُفْرِ كُفْرٌ ، فَالْحُكْمُ بِمَا أَنْزَلَ الله - مَثَلًا - مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ ،
هامش
( 1 ) في الأصل : ( وافقنا ) . ولعل الصواب ما أثبتناه ، كما في إحدى النسخ . ن