تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وَتَأَمَّلْ مَا قَامَ بِقَلْبِ الْبَغِيِّ مِنَ الْإِيمَانِ ، حِينَ نَزَعَتْ مُوقَهَا وَسَقَتِ الْكَلْبَ مِنَ الرَّكِيَّةِ ، فَغُفِرَ لَهَا ( 1 ) . وَهَكَذَا الْعَقْلُ أَيْضًا ، فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّفَاضُلَ ، وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ ، مُسْتَوُونَ فِي أَنَّهُمْ عُقَلَاءُ غَيْرُ مَجَانِينَ ، وَبَعْضُهُمْ أَعَقَلُ مِنْ بَعْضٍ . وَكَذَلِكَ الْإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ ، فَيَكُونُ إِيجَابٌ دُونَ إِيجَابٍ ، وَتَحْرِيمٌ دُونَ تَحْرِيمٍ . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ طَرَّدَ ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ وَالْوُجُوبِ . وَأَمَّا زِيَادَةُ الْإِيمَانِ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ - فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَا وَجَبَ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْإِيمَانِ الْمُفَصَّلِ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ خَبَرُهُ ، كَمَا فِي حَقِّ النَّجَاشِيِّ وَأَمْثَالِهِ . وَأَمَّا الزِّيَادَةُ بِالْعَمَلِ وَالتَّصْدِيقِ ، الْمُسْتَلْزِمِ لِعَمَلِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ - : فَهُوَ أَكْمَلُ مِنَ التَّصْدِيقِ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُهُ ، فَالْعِلْمُ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ صَاحِبُهُ أَكْمَلُ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ اللَّازِمُ دَلَّ عَلَى ضَعْفِ الْمَلْزُومِ . وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَيْسَ الْمُخْبَرُ كَالْمُعَايِنِ » ، وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُخْبِرَ أَنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا الْعِجْلَ لَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ عَبَدُوهُ أَلْقَاهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِشَكِّ مُوسَى فِي خَبَرِ اللَّهِ ، لَكِنَّ الْمُخْبَرَ وَإِنْ جَزَمَ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ ، فَقَدْ لَا يَتَصَوَّرُ الْمُخْبَرَ بِهِ فِي نَفْسِهِ ، كَمَا يَتَصَوَّرُهُ إِذْ عَايَنَهُ ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } ( 2 ) . وَأَيْضًا : فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَالزَّكَاةُ مَثَلًا ، يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يَعْلَمَ مَا أمر به ، ويؤمن بأن الله أوجب
هامش
( 1 ) إشارة أيضا إلى حديث صحيح . رواه البخاري وغيره . انظر فتح الباري 6 : 256 ، 371 - 373 ( 2 ) سورة البقرة آية 260