تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
طَلَعَتِ الشَّمْسُ - : صَدَّقْنَاه ، وَلَا يُقَالُ : آمَنَّا لَهُ ، فَإِنَّ فيه أَصْلَ معنى الْأَمْنِ ، وَالإيمَانُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، فَالْأَمْرُ الْغَائِبُ هُوَ الَّذِي يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الْمُخْبِرُ . وَلِهَذَا لَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ " لَفْظُ " " آمَنَ لَهُ " - إِلَّا فِي هَذَا النَّوْعِ . وَلِأَنَّهُ لَمْ يُقَابَلْ لَفْظُ " الْإِيمَانِ " قَطُّ بِالتَّكْذِيبِ ، كَمَا يُقَابَلُ لَفْظُ " التَّصْدِيقِ " ، وَإِنَّمَا يُقَابَلُ بِالْكُفْرِ ، وَالْكُفْرُ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّكْذِيبِ ، بَلْ لَوْ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَلَكِنْ لَا أَتَّبِعُكَ ، بَلْ أُعَادِيكَ وَأُبْغِضُكَ وَأُخَالِفُكَ - لَكَانَ كُفْرًا أَعْظَمَ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ التَّصْدِيقَ فَقَطْ ، وَلَا الْكُفْرُ هُوَ التَّكْذِيبَ فَقَطْ . بَلْ إِذَا كَانَ الْكُفْرُ يَكُونُ تَكْذِيبًا ، وَيَكُونُ مُخَالَفَة وَمُعَادَاة بِلَا تَكْذِيبٍ - فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ ، يَكُونُ تَصْدِيقًا وَمُوَافَقَة وَانْقِيَادًا ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ ، فَيَكُونُ الْإِسْلَامُ جُزْءَ مُسَمَّى الْإِيمَانِ . وَلَوْ سُلِّمَ التَّرَادُفُ ، فَالتَّصْدِيقُ يَكُونُ بِالْأَفْعَالِ أَيْضًا ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : « الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ ، وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ ، وَالْأُذُنُ تَزْنِي ، وَزِنَاهَا السَّمْعُ » ، إِلَى أَنْ قَالَ : « وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُه » ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِي رَحِمَهُ اللَّهُ : ( لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي ، وَلَكِنَّه مَا وَقَرَ في الصّدورِ وَصَدَّقَتْه الْأَعْمَالُ ) . وَلَوْ كَانَ تَصْدِيقًا فَهُوَ تَصْدِيقٌ مَخْصُوصٌ ، كَمَا في الصلاة وَنَحْوِهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَيْسَ هَذَا نَقْلًا لِلَّفْظِ وَلَا تَغْيِيرًا له ، فَإِنَّ الله لَمْ يَأْمُر بِإِيمَانٍ مُطْلَقٍ ، بَلْ بِإِيمَانٍ خَاصٍّ ، وَصَفَه وَبَيَّنَه . فَالتَّصْدِيقُ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ ، أَدْنَى أَحْوَالِه أَنْ يَكُونَ نَوْعًا مِنَ التَّصْدِيقِ الْعَامِّ ، فَلَا يَكُونُ مُطَابِقًا لَهُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ، مِنْ غَيْرِ تَغير اللسانِ وَلَا قَلْبِه ، بَلْ يَكُونُ " الْإِيمَانُ " فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُؤَلَّفًا مِنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ ، كَالْإِنْسَانِ الْمَوْصُوفِ بِأَنَّه حَيَوَانٌ نَاطِقٌ ، ولِأَنَّ التَّصْدِيقَ التَّامَّ الْقَائِمَ بِالْقَلْبِ مُسْتَلْزِمٌ لِمَا وَجَبَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ ، فَإِنَّ هذه لَوَازِمِ الْإِيمَانِ التَّامِّ ، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ . وَنَقُولُ : إِنَّ هذه لوَازِمَ تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى اللَّفْظِ تَارَة ، وَتَخْرُجُ عَنْهُ أخرى ، أَوْ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 322 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء