تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
الذُّنُوبِ ، لَا يُبْصِرُ الْحَقَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْمَى كَعَمَى الْكَافِرِ . وَجَاءَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَالَ : « إِذَا زَنَا الْعَبْدُ نُزِعَ مِنْهُ الْإِيمَانُ ، فَإِنْ تَابَ أُعِيدَ إِلَيْهِ » . وَإِذَا كَانَ النِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ نِزَاعًا لَفْظِيًّا ، فَلَا مَحْذُورَ فِيهِ ، سِوَى مَا يَحْصُلُ مِنْ عُدْوَانِ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى وَالِافْتِرَاقِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، وَأَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ ذَرِيعَة إِلَى بِدَعِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ مِنْ أَهْلِ الْإِرْجَاءِ وَنَحْوِهِمْ ، وَإِلَى ظُهُورِ الْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي ، بِأَنْ يَقُولَ : أَنَا مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ حَقًّا كَامِلُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَلِي مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ! فَلَا يُبَالِي بِمَا يَكُونُ مِنْهُ مِنَ الْمَعَاصِي . وَبِهَذَا الْمَعْنَى قَالَتِ الْمُرْجِئَة : لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَه ! وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا . فَالْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَظَرَ إِلَى حَقِيقَة الْإِيمَانِ لُغَة مَعَ أَدِلَّة مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ . وَبَقِيَّة الْأَئِمَّة رَحِمَهُمُ اللَّهُ نَظَرُوا إِلَى حَقِيقَتِه فِي عُرْفِ الشَّارِعِ ، فَإِنَّ الشَّارِعَ ضَمَّ إِلَى التَّصْدِيقِ أَوْصَافًا وَشَرَائِطَ ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَمِنْ أَدِلَّة الْأَصْحَابِ لأبي حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّ " الْإِيمَانَ " فِي اللُّغَة عِبَارَة عَنِ التَّصْدِيقِ ، قَالَ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ إِخْوَة يُوسُفَ : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } ( 1 ) ، أَيْ بِمُصَدِّقٍ لَنَا ، وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى إِجْمَاعَ أَهْلِ اللُّغَة عَلَى ذَلِكَ . ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِي ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ ، هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ حَقًّا لِلَّهِ ، وَهُوَ أَنْ يُصَدِّقَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَمَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ فِيمَا بَيْنَه وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْإِقْرَارُ شَرْطُ إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا . هَذَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلِأَنَّهُ ضِدُّ الْكُفْرِ ، وَهُوَ التَّكْذِيبُ وَالْجُحُودُ ، وَهُمَا يَكُونَانِ بِالْقَلْبِ ، فَكَذَا مَا يُضَادُّهُمَا .
هامش
( 1 ) سورة يُوسُفَ آية 17