وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ كُفْرٌ . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْه بِيَدِه فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِه ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِه ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَفِي لَفْظٍ : « لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّة خَرْدَلٍ » وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : « مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ ، وَأَعْطَى لِلَّهِ ، وَمَنَعَ لِلَّهِ - : فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ » . وَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ أَصْلُ حَرَكَة الْقَلْبِ ، وَبَذْلُ الْمَالِ وَمَنْعُه هُوَ كَمَالُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمَالَ آخِرُ الْمُتَعَلِّقَاتِ بِالنَّفْسِ ، وَالْبَدَنُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْمَالِ ، فَمَنْ كَانَ أَوَّلُ أَمْرِه وَآخِرُه كُلُّهُ لِلَّهِ ، كَانَ اللَّهُ إِلَهَه فِي كُلِّ شَيْءٍ ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشِّرْكِ ، وَهُوَ إِرَادَة غَيْرِ اللَّهِ وَقَصْدُه وَرَجَاؤُه ، فَيَكُونُ مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى قُوَّة الْإِيمَانِ وَضَعْفِه بِحَسَبَ الْعَمَلِ .
وسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَأْنِ الصَّحَابَة : " وَحُبُّهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ ، وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ " . فَسَمَّى حُبَّ الصَّحَابَة إِيمَانًا ، وَبُغْضَهُمْ كُفْرًا .
وَمَا أَعْجَبَ مَا أَجَابَ بِهِ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِي وَغَيْرُهُ ، عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِحَدِيثِ شُعَبِ الْإِيمَانِ الْمَذْكُورِ ، وَهُوَ : أَنَّ الرَّاوِيَ قَالَ : " بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ " ، فَقَدْ شَهِدَ الرَّاوِي [ بِغَفْلَة ] ( 1 ) نَفْسِه حَيْثُ شَكَّ فَقَالَ " بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ " وَلَا يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ ! وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ ! ! .
فَطَعَنَ فِيهِ بِغَفْلَة الرَّاوِي وَمُخَالَفَتِه الْكِتَابَ . فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الطَّعْنِ مَا أَعْجَبَه ! فَإِنَّ تَرَدُّدَ الرَّاوِي بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ ضَبْطِه ، مَعَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ « بِضْعٌ وَسِتُّونَ » مِنْ غَيْرِ شَكٍّ .
هامش
( 1 ) في الأصل : ( بفعله ) . والصواب ما أثبتناه ، كما في أكثر النسخ . ن