عليه مَا لَا يَجِبُ على غيره [ الإيمان به ] ( 1 ) إِلَّا مُجْمَلًا ، وَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْإِيمَانُ الْمُفَصَّلُ .
وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ أَوَّلَ مَا يُسْلِمُ ، إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ الْمُجْمَلُ ، ثُمَّ إِذَا جَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِوُجُوبِهَا وَيُؤَدِّيَهَا ، فَلَمْ يَتَسَاوَ النَّاسُ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَامَ بِقَلْبِه التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ ، الَّذِي لَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَتِه شَهْوَة وَلَا شُبْهَة - لَا تَقَعُ مَعَهُ مَعْصِيَة ، وَلَوْلَا مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الشَّهْوَة وَالشُّبْهَة أَوْ إِحْدَاهُمَا لَمَا عَصَى ، بَلْ يَشْتَغِلُ قَلْبُه ذَلِكَ الْوَقْتَ بِمَا يُوَاقِعُه مِنَ الْمَعْصِيَة ، فَيَغِيبُ عَنْهُ التَّصْدِيقُ وَالْوَعِيدُ فَيَعْصِي . وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ » الْحَدِيثَ . فَهُوَ حِينَ يَزْنِي يَغِيبُ عَنْهُ تَصْدِيقُه بِحُرْمَة الزِّنَا . وَإِنْ بَقِي أَصْلُ التَّصْدِيقِ فِي قَلْبِه ، ثُمَّ يُعَاوِدُه . فَإِنَّ الْمُتَّقِينَ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } ( 2 ) . قَالَ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ : هُوَ الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالذَّنْبِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَدَعُه . وَالشَّهْوَة وَالْغَضَبُ مَبْدَأُ السَّيِّئَاتِ ، فَإِذَا أَبْصَرَ رَجَعَ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ } ( 3 ) ، أَيْ : وَإِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ تَمُدُّهُمُ الشَّيَاطِينُ فِي الْغَي ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا الْإِنْسُ تُقْصِرُ عَنِ السَّيِّئَاتِ ، وَلَا الشَّيَاطِينُ تُمْسِكُ عَنْهُمْ . فَإِذَا لَمْ يُبْصِرْ يَبْقَى قَلْبُه فِي عَمًى ، وَالشَّيْطَانُ يَمُدُّه فِي غَيِّه وَإِنْ كَانَ التَّصْدِيقُ فِي قَلْبِه لَمْ يَكْذِبْ ، فَذَلِكَ النُّورُ وَالْإِبْصَارُ ، وَتِلْكَ الْخَشْيَة وَالْخَوْفُ تَخْرُجُ مِنْ قَلْبِه . وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُغْمِضُ عَيْنَيْه فَلَا يَرَى ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْمَى ، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ ، بِمَا يَغْشَاه مِنْ رَيْنِ
هامش
( 1 ) زيادة ضرورية ، لا يستقيم الكلام إلا بها ، أو بما في معناها .
( 2 ) سورة الْأَعْرَافِ آية : 201
( 3 ) سورة الْأَعْرَافِ آية : 202