الْمِقْدَارِ ، بِحَسَبَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ عِلْمًا وَعَمَلًا ، وَكُلَّمَا اشْتَدَّ نُورُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَعَظُمَ أَحْرَقَ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ بِحَسَبَ قُوَّتِهِ ، بِحَيْثُ إِنَّهُ رُبَّمَا وَصَلَ إِلَى حَالٍ لَا يُصَادِفُ شَهْوَةً وَلَا شُبْهَةً وَلَا ذَنْبًا إِلَّا أَحْرَقَهُ . وَهَذِهِ حَالُ الصَّادِقِ فِي توحيده ، فسماء إيمانه قد حرس بِالرُّجُومِ مِنْ كُلِّ سَارِقٍ ، وَمَنْ عَرَفَ هَذَا عَرَفَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ » ، وَقَوْلِهِ : « لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » . وَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشْكَلَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، حَتَّى ظَنَّهَا بَعْضُهُمْ مَنْسُوخَةً ، وَظَنَّهَا بَعْضُهُمْ قَبْلَ وُرُودِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى نَارِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ ، وَأَوَّلَ بَعْضُهُمُ الدُّخُولَ بِالْخُلُودِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَالشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حَاصِلًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِ اللِّسَانِ فَقَطْ ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَهُمْ تَحْتَ الْجَاحِدِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَتَفَاضَلُ بِصُوَرِهَا وَعَدَدِهَا ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ .
وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ الْبِطَاقَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِي كِفَّةٍ ، وَيُقَابِلُهَا تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا ، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ ، فَتَثْقُلُ الْبِطَاقَةُ ، وَتَطِيشُ السِّجِلَّاتُ ، فَلَا يُعَذَّبُ صَاحِبُهَا ( 1 ) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مُوَحِّدٍ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الْبِطَاقَةِ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَدْخُلُ النَّارَ . وَتَأَمَّلْ مَا قَامَ بِقَلْبِ قَاتِلِ الْمِائَةِ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ ، الَّتِي لَمْ تَشْغَلْهُ عِنْدَ السِّيَاقِ عَنِ السَّيْرِ إِلَى الْقَرْيَةِ ، وَحَمَلَتْهُ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنْ جَعَلَ يَنُوءُ بِصَدْرِهِ وهو يعالج سكرات الموت ( 2 ) .
هامش
( 1 ) يشير الشارح - رحمه الله - إلى حديث عبد الله بن عمرو ، في المسند : 6994 . وهو حديث صحيح ، خرجناه وشرحناه في شرح المسند .
( 2 ) إشارة إلى حديث صحيح ، رواه الشيخان وغيرهما ، من حديث أبي سعيد الخدري . وهو في الترغيب والترهيب 4 : 77