تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
اعْتِقَادٍ . وَالْقَائِلُونَ بِتَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ ، ضَمُّوا إِلَى هَذَا الْأَصْلِ أَدِلَّةً أُخْرَى ، وَإِلَّا فَقَدَ نَفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَانَ عَنِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ وَالْمُنْتَهِبِ ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ زَوَالَ اسْمِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ ، اتِّفَاقًا . وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ مِنَ الْعِبَادِ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ ، وَأَعْنِي بِالْقَوْلِ : التَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ ، وَهَذَا الَّذِي يُعْنَى بِهِ عِنْدَ إِطْلَاقِ قَوْلِهِمُ : " الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ " ، لَكِنَّ هَذَا الْمَطْلُوبَ مِنَ الْعِبَادِ : هَلْ يَشْمَلُهُ اسْمُ " الْإِيمَانِ " ؟ أَمِ الْإِيمَانُ أَحَدُهُمَا ، وَهُوَ الْقَوْلُ وَحْدَهُ وَالْعَمَلُ مُغَايِرٌ لَهُ لَا يَشْمَلُهُ اسْمُ " الْإِيمَانِ " عِنْدَ إِفْرَادِهِ بِالذِّكْرِ ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا كَانَ مَجَازًا ؟ هَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَأَقَرَّ بِلِسَانِهِ ، وَامْتَنَعَ عَنِ الْعَمَلِ بِجَوَارِحِهِ : أَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، مُسْتَحِقُّ الْوَعِيدِ ، لَكِنْ فِيمَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْأَعْمَالَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي مُسَمَّى " الْإِيمَانِ " مَنْ قَالَ : لَمَّا كَانَ " الْإِيمَانُ " شَيْئًا وَاحِدًا فإيماني ( 1 ) كإيمان أبي بكر الصديق وعمر ! بل قال : كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبرائيل وميكائيل ! ! وَهَذَا غُلُوٌّ مِنْهُ . فَإِنَّ الْكُفْرَ مَعَ الْإِيمَانِ كَالْعَمَى مَعَ الْبَصَرِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبُصَرَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي قُوَّةِ الْبَصَرِ وَضَعْفِهِ ، فَمِنْهُمُ الْأَخْفَشُ والأعشى ، و [ من ] يَرَى الْخَطَّ الثَّخِينَ ، دُونَ الدَّقِيقِ إِلَّا بِزُجَاجَةٍ ونحوها ، ولا يَرَى عَنْ قُرْبٍ زَائِدٍ عَلَى الْعَادَةِ ، وَآخَرُ بِضِدِّهِ . وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : " وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ " ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّسَاوِيَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَصْلِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، بَلْ تفاوت [ درجات ] نُورِ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " فِي قُلُوبِ أهلها لا يحصيها إلا الله تعالى ؛ فمن الناس من نور " لا إله إلا الله " فِي قَلْبِهِ كَالشَّمْسِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُورُهَا فِي قَلْبِهِ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ ، وَآخَرُ كَالْمِشْعَلِ الْعَظِيمِ ، وَآخَرُ كَالسِّرَاجِ الْمُضِيءِ ، وَآخَرُ كَالسِّرَاجِ الضَّعِيفِ . وَلِهَذَا تَظْهَرُ الْأَنْوَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَيْمَانِهِمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ عَلَى هذا
هامش
( 1 ) في المطبوعة « فإيمان » . وما أثبتنا هو الصواب ، الذي يقتضيه السياق