تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
{ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا } ( 1 ) ، الْآيَةَ . فَالرَّجَاءُ يَسْتَلْزِمُ الْخَوْفَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ أَمْنًا ، وَالْخَوْفُ يَسْتَلْزِمُ الرَّجَاءَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ قُنُوطًا وَيَأْسًا . وَكُلُّ أَحَدٍ إِذَا خِفْتَهُ هَرَبْتَ مِنْهُ ، إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى ، فَإِنَّكَ إِذَا خِفْتَهُ هَرَبْتَ إِلَيْهِ ، فَالْخَائِفُ هَارِبٌ مِنْ رَبِّهِ إِلَى رَبِّهِ . وَقَالَ صَاحِبُ مَنَازِلُ السَّائِرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ : الرَّجَاءُ أَضْعَفُ مَنَازِلِ الْمُرِيدِ ، وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ ، بَلِ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَشْرَفِ مَنَازِلِ الْمُرِيدِ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ » . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ : « لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ » ، وَلِهَذَا قِيلَ : إِنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَجَاؤُهُ فِي مَرَضِهِ أَرْجَحَ مِنْ خَوْفِهِ ، بِخِلَافِ زَمَنِ الصِّحَّةِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَوْفُهُ أَرْجَحَ مِنْ رَجَائِهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْحُبِّ وَحْدَهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ ، وَمَنْ عَبَدَهُ بالخوف وحده فهو [ حروري ] ( 2 ) ، وروي : وَمَنْ عَبَدَهُ بِالرَّجَاءِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُرْجِئٌ ، وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ فِي قَوْلِهِ : لَوْ قَدْ رَأَيْتَ الصَّغِيرَ مِنْ عَمِلَ الْ . . . خَيْرِ ثَوَابًا عَجِبْتَ مِنْ كِبَرِهْ . أَوْ قَدْ رَأَيْتَ الْحَقِيرَ مِنْ عَمِلَ الشَّ . . . رِّ جَزَاءً أَشْفَقْتَ مِنْ حَذَرِهْ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ ) . ش : يُشِيرُ الشَّيْخُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِ بِخُرُوجِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ . وفيه تقرير لما قال أولا : " لا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ " . وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى .
هامش
( 1 ) سورة السجدة آية 16 . ( 2 ) في الأصل : ( مرجئ ) . ولعل الصواب ما أثبتناه من سائر النسخ . ن .