وَكَذَلِكَ : الْإِثْمُ وَالْعُدْوَانُ ، وَالْبِرُّ وَالتَّقْوَى ، وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ .
وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى : الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ ، فَإِنَّ الْكُفْرَ أَعَمُّ ، فَإِذَا ذُكِرَ الْكُفْرُ شَمِلَ النِّفَاقَ ، وَإِنْ ذُكِرَا مَعًا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعْنًى . وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ ، عَلَى مَا يَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
السَّبَبُ الثَّالِثُ : الْحَسَنَاتُ . فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا ، فالويل لمن غلبت آحاده عشراته . وقال تعالى : { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } ( 1 ) . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وَأَتْبَعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا » .
السَّبَبُ الرَّابِعُ : الْمَصَائِبُ الدُّنْيَوِيَّةُ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ ، وَلَا غَمٍّ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ » . وَفِي الْمُسْنَدِ : « أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } ( 2 ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَزَلَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ ، وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا ؟ فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَلَسْتَ تَنْصَبُ ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ ؟ أَلَسْتَ يُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ ؟ فَذَلِكَ مَا تُجْزَوْنَ بِهِ » ( 3 ) .
فَالْمَصَائِبُ نَفْسُهَا ، مُكَفِّرَةٌ ، وَبِالصَّبْرِ عَلَيْهَا يُثَابُ الْعَبْدُ ، وبالتسخط يأثم والصبر والسخط أَمْرٌ آخَرُ غَيْرُ الْمُصِيبَةِ ، فَالْمُصِيبَةُ مِنْ فِعْلِ الله لا من فعل العبد ،
هامش
( 1 ) سورة هود آية 114 .
( 2 ) سورة النساء آية 123 .
( 3 ) حديث أبي بكر هذا في المسند ، برقم : 68 بشرحنا . ولكن أوله هناك أن أبا بكر قال : « يا رسول الله ، كيف الصلاح بعد هذه الآية ؟ . . فكل سوء عملناه جزينا به ؟ » . ليس فيه قوله هنا « نزلت قاصمة الظهر . . » . وهو حديث ضعيف ، إسناده منقطع . وكان الأجدر بالشارح أن يذكر حديث أبي هريرة في المسند : 7380 أنه لما نزلت هذه الآية « شقت على المسلمين ، وبلغت منهم ما شاء الله أن تبلغ ، فشكوا ذلك إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال لهم : » قاربوا وسددوا ، فكل ما يصاب به المسلم كفارة ، حتى النكبة ينكبها « . وهو حديث صحيح ، رواه مسلم في صحيحه 2 : 282 ، وزاد في آخره : » والشوكة يشاكها « . ولو رجع الشارح رحمه الله إلى تفسير شيخه ابن كثير في هذه الآية 2 : 586 - 590 لوجد حديث أبي هريرة ، وأحاديث أخر في معناه ، بعضها أصح إسنادا من حديث أبي بكر .