كَانَ مِنْهُ فِي كُفْرِهِ مِنَ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ ؟ أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ مَعَ إِسْلَامِهِ ؟ أَوْ يَتُوبَ تَوْبَةً عَامَّةً مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ؟ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ مَعَ الْإِسْلَامِ ، وَكَوْنُ التَّوْبَةِ سَبَبًا لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا - مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَكُونُ سَبَبًا لِغُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ إِلَّا التَّوْبَةَ ، قَالَ تَعَالَى : { قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ( 1 ) وَهَذَا لِمَنْ تَابَ ، وَلِهَذَا قَالَ : { لَا تَقْنَطُوا } وقال بعدها : { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ } ( 2 ) ، الآية .
السَّبَبُ الثَّانِي : الِاسْتِغْفَارُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } ( 3 ) . لَكِنَّ الِاسْتِغْفَارَ تَارَةً يُذْكَرُ وَحْدَهُ ، وَتَارَةً يُقْرَنُ بِالتَّوْبَةِ ، فَإِنْ ذُكِرَ وَحْدَهُ دَخَلَ مَعَهُ التَّوْبَةُ ، كَمَا إِذَا ذُكِرَتِ التَّوْبَةُ وَحْدَهَا شَمَلَتْ الِاسْتِغْفَارَ . فَالتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِغْفَارَ ، وَالِاسْتِغْفَارُ يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْآخَرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَأَمَّا عِنْدُ اقْتِرَانِ إِحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ بِالْأُخْرَى ، فَالِاسْتِغْفَارُ : طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا مَضَى ، وَالتَّوْبَةُ : الرُّجُوعُ وَطَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا يَخَافُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِ .
وَنَظِيرُ هَذَا : الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ ، إِذَا ذُكِرَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ شَمِلَ الْآخَرَ ، وَإِذَا ذُكِرَا مَعًا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعْنًى . قال تعالى : { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } ( 4 ) . { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } ( 5 ) . { وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } ( 6 ) . لَا خِلَافَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْمَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ لَمَّا أُفْرِدَ شَمِلَ الْمُقِلَّ وَالْمُعْدِمَ ، وَلَمَّا قُرِنَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فِي قَوْلِهِ تعالى : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } ( 7 ) الآية - كَانَ الْمُرَادُ بِأَحَدِهِمَا الْمُقِلَّ ، وَالْآخَرِ الْمُعْدِمَ ، عَلَى خلاف فيه .
هامش
( 1 ) سورة الزمر : 53 .
( 2 ) سورة الزمر آية 54 .
( 3 ) سورة الأنفال آية 33 .
( 4 ) سورة المائدة آية 89 .
( 5 ) سورة المجادلة آية 4 .
( 6 ) سورة البقرة آية 271 .
( 7 ) سورة التوبة آية 60 .