مَعَ إِيمَانِهِمْ بِهَذِهِ الطَّاعَاتِ ؟ فَالرَّجَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ اللَّهِ تعالى ، شرعه وقدرته وَثَوَابُهُ وَكَرَامَتُهُ . وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ أَرْضٌ يُؤَمِّلُ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِ مِنْ مَغَلِّهَا مَا يَنْفَعُهُ ، فَأَهْمَلَهَا وَلَمْ يَحْرُثْهَا وَلَمْ يَبْذُرْهَا ، وَرَجَا أَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مَغَلِّهَا مِثْلَ مَا يَأْتِي مَنْ حَرَثَ وَزَرَعَ وَتَعَاهَدَ الْأَرْضَ - : لَعَدَّهُ النَّاسُ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ ! وَكَذَا لَوْ رَجَا وَحَسَّنَ ظَنَّهُ أَنْ يَجِيئَهُ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ! أَوْ يَصِيرَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الْعِلْمِ وَحِرْصٍ تَامٍّ ! وَأَمْثَالُ ذَلِكَ . فَكَذَلِكَ مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ وَقَوِيَ رَجَاؤُهُ فِي الْفَوْزِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، مِنْ غَيْرِ طَاعَةٍ وَلَا تَقَرُّبٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ .
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا - اسْتَلْزَمَ رَجَاؤُهُ أُمُورًا :
أَحَدُهَا : مَحَبَّةُ مَا يَرْجُوهُ .
الثَّانِي : خَوْفُهُ مِنْ فَوَاتِهِ .
الثَّالِثُ : سَعْيُهُ فِي تَحْصِيلِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ .
وَأَمَّا رَجَاءٌ لَا يُقَارِنُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْأَمَانِيِّ ، وَالرَّجَاءُ شَيْءٌ وَالْأَمَانِيُّ شَيْءٌ آخَرُ فَكُلُّ رَاجٍ خَائِفٌ ، وَالسَّائِرُ عَلَى الطَّرِيقِ إِذَا خَافَ أَسْرَعَ السَّيْرَ ، مَخَافَةَ الْفَوَاتِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } ( 1 ) .
فَالْمُشْرِكُ لَا تُرْجَى لَهُ الْمَغْفِرَةُ ، لِأَنَّ اللَّهَ نَفَى عَنْهُ الْمَغْفِرَةَ ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الذُّنُوبِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَفَرَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ .
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ : " الدواوين عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ دَوَاوِينَ : دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، ثُمَّ قَرَأَ : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } ( 2 ) وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَهُوَ مَظَالِمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا . وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ الله
هامش
( 1 ) سورة النساء الآيتان 48 - 116 .
( 2 ) سورة النساء الآيتان 48 - 116 .