وَالْمُبَادَرَةُ ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَسْجُودَ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ السَّاجِدِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَكْرِيمُهُ وَتَعْظِيمُهُ ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ . قَالُوا : وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ : { هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ } ( 1 ) ، بَعْدَ طَرْدِهِ لِامْتِنَاعِهِ عَنِ السُّجُودِ لَهُ ، لَا قَبْلَهُ ، فَيَنْتَفِي الِاسْتِدْلَالُ بِهِ .
وَمِنْهُ : أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَهُمْ عُقُولٌ وَلَيْسَتْ لَهُمْ شَهَوَاتٌ ، وَالْأَنْبِيَاءُ لَهُمْ عُقُولٌ وَشَهَوَاتٌ ، فَلَمَّا نَهَوْا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الْهَوَى ، وَمَنَعُوهَا عَمَّا تَمِيلُ إِلَيْهِ الطِّبَاعُ ، كَانُوا بِذَلِكَ أَفْضَلَ . وَقَالَ الْآخِرُونَ : يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [ مِنْ ] مُدَاوَمَةِ الطَّاعَةِ وَتَحَمُّلِ الْعِبَادَةِ وَتَرْكِ الْوَنَى وَالْفُتُورِ فِيهَا - مَا يَفِي بِتَجَنُّبِ الْأَنْبِيَاءِ شَهَوَاتِهِمْ ، مَعَ طُولِ مُدَّةِ عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ .
وَمِنْهُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ [ الْمَلَائِكَةَ ] رُسُلًا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَسُفَرَاءَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ . وَهَذَا الْكَلَامُ قَدِ اعْتَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِهِ أَقْوَى ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ الْمُرْسَلِينَ ، إِنْ ثَبَتَ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ بِالرِّسَالَةِ ، ثَبَتَ تَفْضِيلُ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَيْهِمْ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ الرَّسُولَ الْمَلَكِيَّ يَكُونُ رَسُولًا إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ .
وَمِنْهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا } ( 2 ) ، الآيات . قَالَ الْآخِرُونَ : وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْفَضْلِ لَا عَلَى التَّفْضِيلِ ، وَآدَمُ وَالْمَلَائِكَةُ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ ، وَلَيْسَ الْخَضِرُ أَفْضَلَ مِنْ مُوسَى ، بِكَوْنِهِ عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُوسَى ، وَقَدْ سَافَرَ مُوسَى وَفَتَاهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلَى الْخَضِرِ ، وَتَزَوَّدَ لِذَلِكَ ، وَطَلَبَ مُوسَى مِنْهُ الْعِلْمَ صَرِيحًا ، وَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ : إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ ، إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ . وَلَا الْهُدْهُدُ أَفْضَلَ مِنْ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِكَوْنِهِ أَحَاطَ بِمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ سُلَيْمَانُ عِلْمًا .
وَمِنْهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } ( 3 ) . قال الآخرون :
هامش
( 1 ) سورة الإسراء آية 62 .
( 2 ) سورة البقرة آية 31 .
( 3 ) سورة ص آية 75 .