وهذا هو الحق ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَفْضَلُ ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ لَبُيِّنَ لَنَا نَصًّا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ( 1 ) ، { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } ( 2 ) .
وَفِي الصَّحِيحِ : « إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا ، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا ، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا ، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ - رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ - فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا » . فَالسُّكُوتُ عَنِ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَوْلَى .
وَلَا يُقَالُ : إِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ نَظِيرُ غَيْرِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ هُنَا مُتَكَافِئَةٌ ، عَلَى مَا أُشِيرُ إِلَيْهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَحَمَلَنِي عَلَى بَسْطِ الْكَلَامِ هُنَا : أَنَّ بَعْضَ الْجَاهِلِينَ يُسِيئُونَ الْأَدَبَ بِقَوْلِهِمْ : كَانَ الْمَلَكُ خَادِمًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! أَوْ : إِنَّ بَعْضَ الْمَلَائِكَةِ خُدَّامُ بَنِي آدَمَ ! ! يَعْنُونَ الْمَلَائِكَةَ الْمُوَكَّلِينَ بِالْبَشَرِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ ، الْمُجَانِبَةِ لِلْأَدَبِ ، وَالتَّفْضِيلُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّنَقُّصِ أَوِ الْحَمِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ لِلْجِنْسِ - : لَا شَكَّ فِي رَدِّهِ ، وَلَيْسَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرَ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَإِنْ تِلْكَ قَدْ وُجِدَ فِيهَا نَصٌّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } ( 3 ) ، الْآيَةَ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ } ( 4 ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ : " وَسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ " ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَالْمُعْتَبَرُ رُجْحَانُ الدَّلِيلِ ، وَلَا يُهْجَرُ الْقَوْلُ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَافَقَ عَلَيْهِ ، بَعْدَ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ . وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ أَوَّلًا بِتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ ، ثُمَّ قَالَ بِعَكْسِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّوَقُّفِ أَحَدُ أَقْوَالِهِ . وَالْأَدِلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْفَضْلِ ، لَا عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ ، وَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ .
وَلِلشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُصَنَّفٌ سَمَّاهُ " الْإِشَارَةَ فِي الْبِشَارَةِ " فِي تَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَكِ ، قَالَ فِي آخِرِهِ : اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ المسألة من بدع علم الكلام ، التي
هامش
( 1 ) سورة المائدة آية 3 .
( 2 ) سورة مريم آية 64 .
( 3 ) سورة البقرة آية 253 .
( 4 ) سورة الإسراء آية 55 .